
كنت أفكر بما أشعر به تجاه التقنيات الرقمية اليوم ولم أشعر بالسخط تجاه الكثير منها وأقارن ذلك بما كان عليه الوضع في التسعينات وأوائل الألفية الجديدة التي لم تعد جديدة فقد مضى منها عشرون عاماً – يا إلهي! – وأصبحت جزء من ذكريات الماضي الآن، هناك لا شك اختلاف بين التقنيات في الماضي والآن ولست أعني ارتفاع أداء التقنية وفعاليتها بل طبيعتها.
التقنية كانت ذلك الشيء الذي تشتريه لنفسك ويخدمك أنت، عندما تشتري جهازاً فالجهاز يعمل بلا حاجة للاتصال بالشبكة وقد يعتمد على حاسوبك لتحديثه وتنزيل المحتويات له لكن بعد ذلك الجهاز يخدمك أنت فقط، أجهزة بالم مثال جيد هنا لأنها أجهزة حاسوب كفية لا تختلف كثيراً في شكلها ووظيفتها عن الهواتف الذكية اليوم والفرق بينهما هو تقديم الفائدة، مستخدم الهاتف الذكي ليس الوحيد الذي يستفيد من استخدام الجهاز.
جهاز بالم يحوي نظام تشغيل يعطي المستخدم إمكانية تثبيت وتشغيل تطبيقات عدة، منظم شخصي، آلة حاسبة، تطبيق قوائم، قارئ كتب، وبعض الأجهزة التي تعمل بنظام بالم كانت قادرة على التقاط الصور وعرضها، مشاهدة الفيديو، الاستماع للصوتيات، تنزيل صفحات من الويب وعرضها بدون اتصال بالشبكة، ثم لاحقاً أضافت بالم أجهزة هواتف ولم تتغير طبيعة الجهاز، هو هاتف ذكي قبل آيفون.
أجهزة بالم كانت تضع أمنك وخصوصياتك في يدك، أنت المسؤول عنها وأنت المتحكم بها، ليس هناك خوف من أن تطبيق ما سيجمع معلوماتك ويرسلها إلى مزود ما بدون علمك، ليس هناك فرصة لأن يقتحم أحدهم جهازك من خلال تطبيق أو موقع تزوره، بإمكانك أن تثق تماماً بالجهاز.
هل يمكنك أن تثق بهاتفك الذكي وتطبيقاته؟ هنا يكمن الفرق، الهاتف لا يخدمك أنت فقط بل يبقى على اتصال بالشبكة لكي يخدم من باعه ومن أعطاك تطبيقات مجانية لتستخدمها، كل تطبيق يعمل جزيرة منعزلة تخدمك بلا شك لكنها تخدم من صنعها كذلك ولا تدري ما الذي يفعله التطبيق وماذا يجمع من معلومات عنك، ولا تدري إن كان آمناً أم لا.
حتى عندما توقف بعض الخصائص في الهاتف فأنت لا تستطيع أن تتأكد أن الخاصية أغلقت تماماً، يمكنك قطع اتصال الهاتف بالشبكة وهكذا تفقد جزء مهماً من خصائصه لكن لشخص مثلي لا بأس بذلك لأن كل ما أريده من الهاتف أن يكون هاتفاً ويلتقط صوراً جيدة، ماذا عن الناس الذين يعتمدون على هواتفهم لتسيير حياتهم اليومية؟
سخطي على التقنية هو سخطي على شركات التقنية، في الماضي كانت التقنية ممتعة لأنها تخدم الفرد وتعطيه إمكانيات جديدة، وما زالت التقنية تفعل ذلك لكن الفرق أنك قد تضطر لشراء شيء لا يخدمك أنت فقط، الشركات لم تعد تصنع الأشياء لتخدم المستخدم فقط بل يضعون فيها ما يقدم لهم تياراً من المعلومات والبيانات التي يمكن وصفها بالنفط الجديد، وتشترك مع النفط بأنها تلوث البيئة.
لذلك من المهم العودة لاستخدام تقنيات تخدمك أنت فقط، البرامج الحرة لها دور كبير في ذلك، أن تعتمد على نفسك وتتخلى بقدر الإمكان عن خدمات متوفرة في الشبكة، وهذا ممكن وليس سهلاً.