إرهاب جديد بأفكار قديمة

كنت أشاهد شخصاً يلعب لعبة فيديو عندما بدأت أخبار العملية الإرهابية في نيوزيلندا بالوصول إلى الشبكات الاجتماعية، لعبة الفيديو فيها كثير من العنف الذي أكرهه لكنها تناقش قضية لها علاقة وثيقة بالإرهابي ودوافعه، اللعبة تلقي الضوء على العنصرية بخلق عالم يخوض فيه اللاعب ويرى بنفسه عالماً يحكمه عنصريون، لم يكن من اللائق أن أشير للعبة الفيديو وخبر الإرهاب ما زال جديداً.

قبل ظهور الشبكات الاجتماعية بسنوات وقبل الهواتف الذكية الحديثة؛ الناس استخدموا الشبكة لكتابة ردود أفعالهم، وفي بعض الأحيان تكون ردود الأفعال واسعة وسريعة وفي كل مكان ولا يمكن للفرد أن يتصفح الشبكة بدون أن يراها، أحياناً ردود الأفعال تجعل المواقع تنهار تحت الضغط.

مع الشبكات الاجتماعية والأخبار بسرعة الآن يصبح من المغري ومن السهل أن نعلن عن مشاعرنا وردود أفعالنا بأسرع وقت، وقد نشعر بالضغط لأن علينا الحديث عن هذه المأساة التي حدثت قبل قليل، الخبر من أقصى الأرض يصلنا خلال دقائق ومعه تصل تحديثات وتصحيح للمعلومات وصور وبيانات من كل جهة، يصبح من الصعب على الفرد أن يتحدث عن أمر صغير في حياته الشخصية لأن العالم حوله كله منتبه لهذا الحدث البعيد.

الحدث هذه المرة هو عملية إرهابية دبرها إرهابي أسترالي وصورها بالفيديو وقبلها نشر بياناً له لكن بيان كتب بأفكار رخيصة هدفها جذب الانتباه ومخاطبة حثالة الناس الذين رفضتهم الشبكات الاجتماعية ومنعتهم المواقع من نشر أفكارهم القبيحة فاجتمعوا في الزوايا المظلمة للشبكة وهناك صنعوا لأنفسهم عالماً من الوهم لكنه وهم أدى لمقتل 49 في مسجد، القاتل لم يفرق بينهم فكلهم مسلمون ولم يجد مشكلة في قتل طفل.

القاتل تعمد توجيه غضبه وكراهيته لأناس مسالمين لأنه كما يقول لا يعرف كيف يتعامل معهم، لا يعرف كيف يتخلص منهم، الفرد المسلح هو فرد يسهل التعامل معه، لكن هذا الشخص المسالم؟ هذا شخص يأتي بثقافته وأفكاره ودينه ولون بشرته المختلفة ويأخذ مكاناً أمام هؤلاء العنصريين والعنصري لا يريد أن يرى ذلك، لا يريد أن يعيش في عالم اليوم الذي تغير ليسمح للبشر بالسفر من طرف العالم إلى طرفه الآخر، لا يريد أن يرى في هؤلاء سوى أنهم طفيليين، يلغي إنسانيتهم ويجعلهم مصدر الشر وسببه ويصبح من السهل تبرير التخلص منهم بأي طريقة.

أفكار الإرهابي ليست جديدة فأصولها تعود لقرن وأكثر، ما حدث في أمريكا قبل قرن ما زال أثره إلى اليوم، أمريكا كان لها دور كبير في نشر أفكار مثل ما سمي بالعربية “تحسين النسل” وبالإنجليزية (Eugenics)، وقبلها اجتهد ساسة أمريكان في وضع قوانين تحد من الهجرة لأنهم يرون في المهاجرين خطراً على النقاء العرقي والإرث الثقافي، وقد كان لهؤلاء أثر على هتلر نفسه، ثم وجد هتلر والفكر النازي مكاناً له في أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية لكن مع الحرب تراجعت هذه الأفكار كثيراً ولعقود والآن تعود للسطح.

هذه كراهية قديمة بأدوات جديدة، دعوات التسامح لا تجدي مع هذه الكراهية، دعوات الحوار لا تكفي، الكراهية التي تعيش في مجاري الإنترنت لا يمكن حلها في يوم وليلة، المتسامحون والمتقبلون للآخرين لا يحتاجون أي دعوة للتسامح، والعنصريون الكارهون للآخرين يجدون في الدعوة للتسامح خطراً عليهم وعلى هويتهم.

هويتهم مبنية على كراهية الآخرين، أظن أنهم يحتاجون لصنع عدو لأنهم يخشون من مواجهة أنفسهم والحياة العادية الرتيبة التي يعيشها معظم الناس، بدلاً من ذلك يفضلون أن يكون العدو هو ذلك الشيء الغريب عنهم، شيء لا يريدون فهمه أو تقبله، ويتخيلون أن حياتهم ستصبح جنة  بمجرد حذف ذلك العنصر غير المرغوب فيه، لكن تخيل أن عدوهم هذا ذهب إلى الأبد، هل تظن بأن العنصري سيعيش في سلام مع نفسه؟

هناك لا شك طرق لمواجهة الكراهية لكن مهما كانت هذه الطرق فعّالة فهناك دائماً أفراد لا يمكن تغيير أفكارهم وسيسعون لنشر الكراهية وتحويلها إلى أفعال إرهابية، أحياناً ضد بين جلدتهم.

أخيراً أود الإشارة لشيء واحد، يفترض بالإعلام وبالناس في الشبكات الاجتماعية أن يهتموا بالضحايا أكثر من الإرهابي، المجرم الأسترالي صمم هجموه ليحصل على أكبر قدر ممكن من الانتباه في المواقع الاجتماعية، ولا شك لدي أن هناك آخرون سيسعون لفعل ما فعله، لذلك … يفترض أن نعطي انتباهنا للضحايا أكثر من المجرم.

فكرتان اثنتان على ”إرهاب جديد بأفكار قديمة

    • هناك حلول بعيدة المدى وتحتاج عقوداً من العمل لأنها صعبة، وكل الحلول لا يمكن أن تعد بحل المشكلة تماماً لأن الكراهية للآخر طبيعة في بعض الناس، مثلاً قرأت مقالاً عن شخص من أصول أفريقية في كندا يصادق العنصرين أعضاء KKK ونجح في إقناع بعض منهم في تغيير طرقهم، جزء من العنصرية هي خوف من الآخر وخوف على النفس وبقاءها، عندما يدرك العنصري أن ثقافته وهويته يمكنها أن تكون قوية دون أن تكون عنصرية فعندها يحدث تغيير.

      الأوضاع الاقتصادية تلعب دوراً كذلك، الساسة يلعبون بمشاعر الناس بخطابات تخلق القبلية وتجعل الناس مقسمين إلى قسمين، إما معنا أو ضدنا، هتلر وما فعله في ألمانيا يتكرر اليوم بأشكال ومستويات مختلفة، هتلر لم يصل إلى السلطة دون أوضاع اقتصادية صعبة كنت ألمانيا تعيشها بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى.

      لاحظ أننا نتحدث عن أمر له علاقة وثيقة بالغرب، وفي السنوات القليلة الماضي صعد قادة غربيون يعلنون صراحة عدائهم وعنصريتهم للآخرين ومن بينهم ذلك المخلوق في البيت الأبيض، الغرب يحتاج لوقفة مع نفسه ومراجعة تاريخه وأثر الاستعمار.

      بالطبع الموضوع أكبر من أن يشمله تعليق في مدونة.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.