
عندما بدأت التدوين كنت أكتب كل صفحة بنفسي باستخدام محرر نصي، باستخدام HTML وCSS صنعت مدونة وصممتها وكتبت حتى ملف RSS، كنت في بعض الأيام أكتب مواضيع عدة قصيرة وفي كل مرة أحدث الموقع يدوياً.
كانت العملية ممتعة بالنسبة لي، الموقع يفعل بالضبط ما أريده، ليس هناك تعليقات ولا قاعدة بيانات ولا حاجة للغة برمجة والتصميم صنعته بنفسي وكنت أرتب أقسامه كما أريد، الروابط كانت على العمود الجانبي مثلاً، هناك رابط لقسم خاص لتقنية CSS وله تصميم مختلف.
انتقلت بعد أشهر إلى ووردبريس لكي أركز أكثر على الكتابة وأفتح باب التعليقات وفي ذلك الوقت ووردبريس كان بسيطاً، تغيير التصميم كان سهلاً وقد غيرت التصميم مرات عدة، وهذه بداية الاعتماد على أدوات التدوين بالنسبة لي، انتقلت إلى بلوغر ثم إلى ووردبريس مرة أخرى بعد ثمانية سنوات وفيها تغير ووردبريس كثيراً ليصبح برنامج كل شيء ويزداد تعقيداً وتقل متعة استخدامه حتى أصبح مزعجاً حقاً.
الأدوات التي نستخدمها لها تأثير علينا وعلى قدرتنا على الإنجاز، أحياناً هذا التأثير ليس منطقي أو لا علاقة له بزيادة الفعالية وسرعة الإنجاز، أنا أكتب على لوحة مفاتيح ميكانيكية أستخدمها منذ عشر سنوات تقريباً، أستمتع باستخدامها لكنها لا تجعلني كاتب أسرع أو أفضل، في يوم اضطررت لاستخدام لوحة مفاتيح رخيصة وقد كنت مستاء من ذلك مع أنها تقدم نفس عدد المفاتيح، الأداة الجيدة تجعل العمل ممتعاً.
عملية صنع الشيء مهمة كذلك، هناك متعة في الصنع حتى عندما تكون عملية الصنع متعبة ومثيرة للضجر، يدرك ذلك أي شخص يمارس أي حرفة، إنجاز العمل يعطي الفرد دفعة من الحماس والسعادة لفترة قصيرة ولكي يشعر بذلك مرة أخرى عليه أن يبدأ عملية صنع شيء آخر، أثناء صنع الشيء قد يجد الفرد فرصة لكي يبدع ويبتكر شيء مختلف أو يجرب شيء لم يجربه من قبل وهذا لوحده متعة لا توصف.
أذكر قبل سنوات قليلة عندما بدأت الضجة حول الذكاء الاصطناعي وقد بدأ باللوحات الفنية، سارقي الفنون صنعوا نموذج لغوي أو بصري كبير قادر على محاكاة أعمال الناس وهنا بدأت أقرأ آراء تروج لهذا الفتح التقني الجديد، هناك من ردد بأن الأشخاص المهرة في صنع الفنون لن يحتكروا الفنون بعد الآن، كأنما اكتساب مهارة الرسم وضعت خلف باب لا يسمح لأحد بدخوله إلا قلة من الناس، هناك من رأى أن هذا سيسمح لغير المهرة بصنع فنون لمواقعهم وكتبهم وهذا ما يحدث فعلاً لكن لدي مشكلة في ذلك لأن محتوى هذه الخدمات مسروق ولن تدفع فلساً للرسامين حول العالم، الثاني أن هناك مصادر عدة لفنون مجانية قديمة وجديدة يمكن الاعتماد عليها.
أيضاً: ما المشكلة في اكتساب شيء من المهارة لكي تصنع الفنون بنفسك؟ وإن كنت تملك المال ما المشكلة في دفع مبلغ لشخص ليصنع لك الفنون التي تحتاجها؟
كما يقول البعض: الذكاء الاصطناعي يسمح لرأس المال بالوصول لمهارات وحرف لكن لا يسمح للحرفيين بالوصول لرأس المال.
ثم هناك الحمقى الذين يرددون بأن الذكاء الاصطناعي سيصنع عدد لا نهائي من اللوحات والفنون والأفلام ولكل ذوق، يرون أن عشرة آلاف لوحة أفضل من عشر لوحات، الكم أهم بالنسبة لهم من الكيف، حتى لو كان أكثر هذا الكم سيء، قبل الذكاء الاصطناعي كان ولا زال هناك محتوى السيو (SEO) الذي يكتب لمحركات البحث ويكون في الغالب ذو محتوى خفيف أو غير مفيد والهدف هو التربح من الإعلانات، ثم جاء الذكاء الاصطناعي وأضاف الكثير من المحتوى الرديء للويب وللشبكات الاجتماعية وأصبح الواحد منا لا يعرف هل يقرأ أو يشاهد أو حتى يسمع شيء صنعه إنسان أم صنعه ذكاء اصطناعي.
لذلك أرى أن السير في الاتجاه المعاكس أمر مهم، إنتاج القليل بجودة أعلى، جودة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول لها لأنه لم يصمم لذلك، لاحظت منذ سنوات أن بعض قنوات يوتيوب التي تزداد شهرة يقل إنتاجها حتى يصل بعضها لصنع مقطع فيديو واحد في العام أو العامين، لكنه مقطع فيديو متقن البحث والإخراج وبمحتوى ممتاز، ثم يغيب صاحبه لعام أو أكثر لصنع فيديو آخر.
هؤلاء يستطيعون فعل ذلك لأنهم لا يكترثون لخوارزمية يوتيوب، بينما أصحاب القنوات الصغيرة مضطرون لطرح الكثير لكي يصلوا لعدد أكبر من الناس ويزداد عدد متابعيهم وعندها يستطيعون التركيز أكثر على الجودة، لكن كثير منهم لن يصل إلى هذه المرحلة لذلك سيبقون في دوامة يوتيوب أو يقررون التوقف أو يقررون عدم الاكتراث ويصنعون ما يريدونه بغض النظر عن عدد المتابعين.
مروجي الذكاء الاصطناعي يهتمون بالنتيجة النهائية ولا يهتمون بعملية الصنع أو جودتها أو حتى وجود روح للصانع، يهتمون بالكم أكثر من الكيف، أنت كصانع أو مستهلك يمكنك السير عكس هذه القيم بالاهتمام بما يصنعه الناس والتركيز على الكيف قبل الكم.
واحد من أكثر المحتوى إثارة في الشبكات الاجتماعية هي لقطات شاشة أخذت من شبكات اجتماعية أخرى، شخص ما في فايسبوك كتب شيئاً عجيباً وتجد صورة لذلك في تويتر وإنستغرام وتيكتوك، هذا ما رأيته اليوم في ماستودون حيث رأيت لقطات شاشة 
معرض منتجات المستهلكين (


