عن التبسيط … من مدوناتكم

مشاركتان حول التبسيط، الأولى تجربتي مع التبسيط:

التبسيط شيء له طعم، حقيقة و ليس مجازًا، أنتَ تتذوق ما ترتدي و ما تفعل و ما تقتني، تشعر بحقائق الأشياء حولك و لا تنغمس في الفوضى و تدور حول نفسك، و كلما بسطت أكثر شعرت بخفة أكبر، ستنام بلا قلق، و ستصحو شاعرًا بفراغ كبير يمكنك ملأه بأشياء أجلتها طويلًا للازدحام، و يمكنك اعتباره فسحة لنفسك و لاهتماماتك

هذا أحد أهم فوائد التبسيط، أن تصنع لنفسك مساحة تضع فيها ما يهمك حقاً.

المشاركة الثانية، التقليل من استهلاك الالكترونيات:

من فترة ليست بالبعيدة وجدت نفسي محاطا بعدد من المنتجات من انواع مختلفة التي اشتريتها بسبب او بدون سبب. فمتابعتي لعدد من المواقع والقنوات اليوتيوب التي تروج وتعظم من منتجات معينة اثرت في سلوكي الشرائي.

ومن جهة اخرى تأثير سهولة نقرة الشراء المواقع الإلكترونية هي فقط عدة نقرات وتشتري المنتج.

أولاً أنوه بأن اسم المدونة ممتاز ويعجبني 😄 أما استهلاك الإلكترونيات فهذا يحتاج لموضوع آخر، شكراً أخي محمد، ألهمتني لأكتب عن شيء أفكر فيه منذ وقت طويل.

أود العودة للهاتف غير الذكي

المصدر: Mudita Pure

لفترة أردت هاتفاً ذكياً لأنني ظننت أنه سيبسط علي إنجاز معاملات حكومية مختلفة، وقد وصلني واحد قبل أشهر من أختاي جزاهما الله خيراً، استخدمت الهاتف للتصوير أكثر من استخدامي لأي تطبيق، تبين لي أن التطبيقات أصعب استخداماً من مواقع المؤسسات، وحتى مع استخدام المواقع لم أنجز العمل من خلالها بل من خلال مكاتب الطباعة، بمعنى آخر السبب الأساسي لرغبتي في هاتف ذكي لم يعد سبباً لاستخدامه.

من ناحية أخرى أنا لا أستخدم هاتفي كما يفعل كثير من الناس، لا تطبيقات شبكات اجتماعية، لا تطبيقات دردشة، استخدمه للاتصال واستقبال الرسائل النصية القصيرة (نادراً ما أرسل شيئاً)، إن كان حاسوبي يمكن استخدامه لشيء ما فلن أستخدم الهاتف لنفس الغرض، مثلاً مشاهدة الفيديو أو قراءة المقالات أو استخدام تويتر، كل هذا أفعله في الحاسوب وبالتالي لا حاجة لفعل ذلك في الهاتف الذكي.

الآن أود التخلص من هاتفي لكن لا أستطيع فعل ذلك وهو هدية من أهلي، سأبقيه لعامين أو ثلاثة ثم يمكنني العودة إلى الهاتف غير الذكي، هاتفي الحالي يحتاج لشحن مع أنني لا أستخدمه لكنه يستهلك البطارية في أقل من أسبوع، قارن هذا بالهواتف غير الذكية التي تعمل لأسابيع أو لشهر كامل بلا حاجة للشحن، كذلك الهواتف غير الذكي قادرة على تحمل الصدمات التي قد تكسر شاشة الهاتف الذكي، أنا حريص على ما أملكه ولم يسقط هاتفي مني مرة لكن أود أن أحمل هاتفاً لا أشعر بالحاجة للقلق عليه كلما فعلت ذلك كأنني أحمل قطعة غالية من الجواهر.

هذا نوع من التبسيط، ألا تحمل حاسوباً في جيبك تقلق من حمله وقد تشتري له غطاء لحمايته ويتصل دائماً بالشبكة ليكون مصدراً من تشتيت الانتباه لا يتوقف، من ناحية أخرى إن كنت ممن لا يعانون من استخدام الهاتف الذكي وتستخدمه حقاً في أشياء تفيدك فعليك أن تكتب عن تجربتك لعل ذلك يغير شخصاً.

اقطع اتصالك بالإنترنت … إن استطعت

متى كانت آخرة مرة انقطعت فيها باختيارك عن الإنترنت؟ أعني أن تغلق الحاسوب والهاتف ولا تستعملهما لفترة ما بين يوم إلى أسبوع، شخصياً أتوق لفعل ذلك وقد كنت انقطع عن الشبكة كل عام تقريباً لكن لم أفعل ذلك منذ فترة طويلة، لذلك في بداية الشهر المقبل ولست أيام سأنقطع تماماً عن الشبكة وعن استخدام الحاسوب.

لماذا الانقطاع؟ ما الفائدة؟ يمكن تشبيه الانقطاع عن الشبكة بالإجازة من العمل، جسمك وذهنك يحتاجان للتوقف عن العمل لكي تستعيد طاقتك وتكون قادراً على العمل مرة أخرى، لا يمكن لأحد أن يعمل بلا توقف، كذلك الحال مع الشبكة؛ لا يمكن أن تستمر في الارتباط بها دائماً بلا توقف، سيل المعلومات الذي لا يتوقف يحتاج سداً لإدارته وإلا ستغرق.

انقطاعي عن الشبكة يؤدي دائماً لنفس النتيجة: هدوء ذهني، قدرة أكبر على التركيز، الوقت يتباطئ، أنام مبكراً ونومي أفضل وأشعر بتعب أقل طوال اليوم، لا أشعر بالجوع! وهذا غريب لكن لاحظته أكثر من مرة، قليل من الطعام يكفيني، كذلك أجد دافعاً للحركة والرياضة، ولقراءة الكتب وإنجاز أعمال مختلفة أجلتها.

أدرك أن الانقطاع عن الشبكة اليوم ليس خياراً متاحاً للكثيرين فهي مصدر الرزق للبعض وهي مصدر للمعرفة والتواصل، مع ذلك يحتاج الأمر منك أن تجرب ويمكنك أن تبدأ بساعتين في يوم واحد فقط، مثلاً قبل النوم بساعتين توقف تماماً عن استخدام أي أجهزة رقمية، إن كنت قادراً على إضافة ساعات أكثر ففعل ذلك، أو حدد يوماً تنجز فيه عملك في الصباح ثم تنقطع عن الشبكة إلى اليوم التالي.

إن استطعت فعل ذلك في يوم كامل مثل نهاية الأسبوع فجرب، السفر فرصة لفعل ذلك أيضاً (بعد الكورونا!)، المهم أن تحاول تجربة الأمر بأي شكل خصوصاً إن لم تجربه من قبل.

الانقطاع عن الشبكة ليس حلاً سحرياً لأي شيء، لكني على يقين أنه ضرورة للفرد فهو السد ضد سيل المعلومات الذي لا يتوقف.

ثلاث كتب عن التبسيط

في الماضي كنت أقرأ الكثير في كتب الإدارة والتطوير الشخصي إلى أن بدأت ألاحظ بأن الكتب بدأت تكرر نفس الأفكار مع أن عالم الإدارة واسع وفيه جوانب مختلفة يمكن الحديث عنها وكذلك الحال مع التطوير الشخصي، ويتكرر الأمر مع أي موضوع آخر، إن قرأت كتاباً واحداً في مجال جديد ستجد فيه فائدة كبيرة وسيفيدك أن تضيف له كتابان أو ثلاثة لترى وجهات نظرة مختلفة، لكن أن تقرأ عشرين كتاباً في نفس الموضوع؟ هذا قد لا يكون مفيداً، لذلك أقترح ثلاث كتب حول التبسيط.

سحر الترتيب، أو بالإنجليزية The Life-Changing Magic of Tidying up، هذا كتاب عملي ومشهور وقد كتب لليابان وترجم بعد ذلك للغات أخرى وهو متوفرة بالعربية، والكتاب يحاول أن يوفر على القارئ عناء التنظيف بأن يجعله شيء يمارس مرة واحدة وبعد ذلك يفترض أن تحفظ على التنظيم والنظافة، من السهل إبقاء مكان بسيط منظماً وبسيطاً لكن حياة الناس مختلفة، من يعيش مع أطفال قد يجد صعوبة في فعل ذلك.

كتاب The More of Less، قصص مختلفة لأناس طبقوا التبسيط ونصائح عملية للفرد والعائلة.

كتاب Digital Minimalism، مع ازدياد اعتماد الناس على الحواسيب والهواتف للتواصل والعمل والترفيه؛ ازداد العبء على الناس وأصبحت وسائل التواصل مشتتة للانتباه وتأكل أوقات الناس بسهولة، هذا كتاب يعالج هذه المشكلة.

هل قرأت كتاباً عن التبسيط وكتبت عنه في مدونتك أو أي مكان آخر؟ ضع رابطاً لما كتبت في تعليق.

بعد الكتب تأتي الأشياء

في أول موضوع تحدثت عن بدايتي مع الكتب لأن التخلص منها هو أصعب شيء بالنسبة لي، لكن ماذا عن كل شيء آخر؟ مضت سنوات عدة منذ مارست جرد الأشياء ثم التخلص مما لا أحتاجه، وهذا ما فعلته مؤخراً.

أخرجت كل شيء من الأدراج ومن الخزانة ووضعتها على السرير، لم أجد صعوبة في أن أختار منها ما لم يعد له حاجة ووضعتها في صندوق، ثم أعدت كل شيء لمكانه لكن بترتيب أفضل، حقيقة كنت أتوقع أن أجد الكثير واضطر لاستخدام صندوق كبير أو صندوقين لجمع كل ما لم أحتاجه، لكن كفاني صندوق صغير، يبدو أنني أمارس التبسيط على مستوى الأشياء بسهولة، كم أود لو أفعل ذلك تجاه الكتب والإنترنت.

ليس لدي الكثير هنا، توقعت أنني سأجد أشياء تستحق أن أكتب عنها، لكن وجدت أنني احتفظ بصناديق لم أستخدمها لشيء، أكياس بلاستيكية جمعتها على أمل استخدامها لسلة المهملات لكن السلة لا تحتاج للكثير منها لأنني لا أرمي الكثير من المهملات، هناك منتج واحد اشتريته ولم أستخدمه وقد كان رخيص السعر، شيء يوضع أسفل الباب لسد الفجوة هناك.

هذا كل شيء، لكن الفائدة أنني فرغت مساحة في الخزانة وأعدت تنظيم الأشياء بعد أن أهملت تنظيمها لوقت طويل، الآن هناك مساحة يمكن استخدمها لأي شيء لكن في الغالب ستبقى فارغة.

أخبرني عن تجربتك إن مارست التبسيط مؤخراً.

ثلاث مبادئ للتبسيط يجب أن يمارسها الجميع

حتى لو لم تكن راغباً في التبسيط وتراه أمراً لا يستحق الاهتمام فهناك ما يمكنك أن تفعله لتبسط حياتك دون أن أن تتخلص من أي شيء، هذه ثلاث مبادئ للتبسيط أراها تستحق التطبيق وأوافق الكاتبة بأن الجميع يجب عليهم تطبيقها:

  • قلل من عدد القرارات التي يجب عليك اتخاذها كل يوم، اجعل لأيامك روتين يتكرر وتفعله بدون تفكير، تبسيط ما تلبسه وتكرار استخدامه وتبسيط ما تأكله وتكرار طبخه هو نوع من تقليل القرارات.
  • اختر الجودة على الكم، هذا متعلق بما تشتريه وبكيف تقضي وقتك وبما تنتبه له.
  • لا تتابع الموضة وجديد الصيحات، الكاتبة تتحدث عن التصميم لكن الأمر يتعدى ذلك، تجد الناس يسارعون لاستخدام تقنية أو تطبيق؟ لست بحاجة للانضمام لهم، الناس يشترون منتجاً ما؟ لست بحاجة لشراءه، ما يفعله أغلبية الناس ليس مقياساً جيداً لفعل أي شيء.

خطة مصروفات بدلاً من ميزانية

ما علاقة فيديو عن الإدارة المالية بموضوع التبسيط؟ توفير المال يفترض أن يكون أحد فوائد التبسيط، وفي الفيديو شرح لفكرة بسيطة وهي خطة للمصروفات:

  • أن تحسب الدخل الشهري
  • حساب المصروفات الشهرية وحذفها من الدخل
  • ما تبقى (إن تبقى شيئاً!) هو مال يمكنك فعل ما تشاء به.

هذا كل شيء، المتحدث لديه شهادة في مجال التمويل والبنوك ومع ذلك لم يكن يضع ميزانية، كلمة “ميزانية” توحي بأنها شيء كبير ومعقد ويحتاج للكثير من الجهد كل شهر، لذلك تبسيط إدارة المال أمر مهم لكي تعرف كم دخلك وكم تنفق وفيما تنفقه وكم يبقى لك من المال، كذلك قد يساعدك على تقليص التكاليف بحذف ما هو غير ضروري.

اصنع وقتاً لنفسك

إن كنت مشغولاً حقاً وليس لديك وقت فأنت أجدر بأن تتوقف عن العمل وتنظر في أعمالك، لا مشكلة في أن تكون مشغولاً لبعض الوقت أو لفترة محددة، مثل أن يكون لديك امتحانات تعد لها وتحتاج أن تدرس وتستعد، أو يكون هناك مشروع في العمل يتطلب عملاً مستمراً ولأيام أو أسابيع، لكن أن تكون مشغولاً دائماً؟ هذا غير طبيعي ولا يجب أن تقبله، يجب أن يكون في يومك وأسبوعك شيء من وقت الفراغ لنفسك.

لا تحسب النوم ضمن هذا الوقت لأنه شيء عليك أن تفعله وبدونه ستعيش يوماً صعباً ومتعباً لأن جسمك وذهنك متعبان، ما أعنيه بوقت لنفسك هو ذلك الوقت الذي يمكنك أن تقضيه دون فعل شيء إن أردت، أو يمكنك أن تجلس مع من تحب وتتبادل الحديث معهم حول أي شيء، أو تقرأ كتاباً أو تمشي أو تفعل ما تشاء به، هذا ضروري لنفسك ولصحتك ولكي تكون منتجاً، الفرد منا لا يمكنه أن يعمل طوال الوقت دون أن يحترق.

من التبسيط أن تقلل من مسؤولياتك وأعمالك بقدر الإمكان، إن كان بإمكانك التوقف عن فعل شيء فلم لا تتوقف عن فعله؟ ولاحظ كلمة بالإمكان لأنني لا أقترح التخلي عن مسؤوليات مهمة، لكن من تجربة ومما رأيته من الناس المنتجين وجدت أن من يعمل بجد يجد المزيد من الأعمال تلقى عليه لأنه شخص يثق الناس بأنه سينجز العمل لكن كل شخص له طاقة وحدود، لذلك يمكنك أن تبسط حياتك بأن تتخلص من أثقال الأعمال ومن قائمة الأعمال التي وضعتها لنفسك.

هل العمل مهم أم لا؟ هل هو مستعجل أم لا؟ إن كان غير مهم فلم تفعله؟ وإن كان مهماً فلديك إمكانية أن تطلب مساعدة من الآخرين أو تفوض لهم الأعمال، كلما ازدادت مسؤولياتك زادت أهمية أن تعتمد على الآخرين، لا يمكنك أن تتحمل كل المسؤولية بنفسك.

هناك طرق عدة يمكن أن تستخدمها لكي تجد وقتاً لنفسك:

حدد وقتاً لنفسك على التقويم والتزم بعدم فعل شيء فيه، مثلاً في الصباح الباكر كل يوم وقبل أن يبدأ زحام الأعمال يمكنك أن تجعل هذا الوقت لنفسك، خطط ليومك، اشرب الشاي أو القهوة، اخرج للمشي، أو حدد يوماً ما لا تفعل فيه شيئاً إن كان بإمكانك ذلك.

قلص قائمة أعمال اليوم إلى ثلاث أو خمس أعمال، بدلاً من أن تكون قائمة أعمالك طويلة وبلا نهاية اختر منها ما يمكنك واقعياً إنجازه اليوم، وإن لم تنجز كل شيء فلا بأس بذلك.

أجل بعض المشاريع وضعها في قائمة “ربما”، البعض منا لا يكفيه أن تكون عليه مسؤوليات تجاه الآخرين بل يضع لنفسه أثقالاً من المشاريع الشخصية، إن لم ترغب في التخلي عنها فضعها في ملف أو قائمة لوقت لاحق وركز على شيء واحد.

خطط للأسبوع بقدر الإمكان، عندما تعرف ما الذي ستفعله في الأسبوع وفي اليوم فهذا قد يخفف عنك العبء النفسي للأعمال خصوصاً إن كنت واقعياً في التخطيط ووضعت ما يمكنك فعله بدلاً مما تحلم بفعله، في أي يوم تجد نفسك انتهيت من أعمالك في القائمة يمكنك أن تخصص باقي اليوم لنفسك أو يمكنك أن تنجز عملاً آخر لم تخطط له.

حدد يوم إجازتك، في المؤسسات الحكومية والخاصة لكل موظف حق في أخذ إجازة، الناس الذين يعملون في مشاريعهم الخاصة وفي الأعمال الحرة لا يتوقفون عن العمل لأنهم لا يعطون لأنفسهم إجازة، لذلك أعط لنفسك إجازة ولو ليومين لا تفعل فيهما شيء سوى أمور شخصية وبعيدة عن العمل.

خلاصة الموضوع أن تجد لنفسك بعض الوقت خصوصاً إن كنت مشغولاً دائماً، افعل ذلك بأي طريقة تناسبك.

العالم الرقمي بلا حدود وهذه مشكلة

في نهاية العام الماضي وحتى نهاية الشهر الماضي مارست التبسيط الرقمي، كان لدي قائمة طويلة من مقاطع الفيديو تخلصت من معظمها، في الملف النصي للروابط الذي أجمع فيه روابط للنشر في هذه المدونة كان هناك أكثر من 300 رابط وحذفت معظمها ووصلت إلى ثمان روابط والآن لدي أكثر من ذلك بقليل، مفضلتي في المتصفح تعرضت للحذف كذلك ولا زلت بحاجة لحذف المزيد من الروابط هناك، لا زلت بحاجة للتعامل مع الكتب الإلكترونية التي لا أقرأها إلا نادراً لأن القراءة من الشاشة أمر صعب حقاً، سأترك هذا لموضوع آخر.

تقليل الأثقال الرقمية هو نوع من التبسيط الذهني، في حواسيبنا يمكننا وضع ألف كتاب وحفظ مئات مقاطع الفيديو ولن يشتكي الحاسوب من شيء، لكن أي شيء تضعه في حسوبك سيأخذ مساحة من عقلك كذلك، كلما رأيته ما حفظته ستتذكر أنك لم تقرأ أو تشاهد أو تفعل هذا أو ذاك، وربما حفظت شيئاً لسنوات عدة دون فعل أي شيء تجاه، لذلك أسأل نفسك ما الذي سيحدث لو حذفته؟

مارست التنظيف الرقمي مرات عدة وفي كل مرة أحذف مئات من الروابط … لا يحدث شيء! نادراً ما أندم على حذف ما لم أنتبه له لأيام أو أشهر أو حتى سنوات، إن كان بقاءه لن يفيدك وحذفه لن يضرك فلم يبقى في حاسوبك؟ بالطبع الأمر يتجاوز الحاسوب ليصل إلى المواقع التي تشارك فيها وتحفظ فيها مفضلة ما أو تخزن فيها ملفات مختلفة، احذف منها ما لا تحتاجه.

لم لا تفعل ذلك اليوم؟ ابحث في حاسوبك عن كل شيء لا تحتاجه واحذفه، إن كنت قلقاً من حذف شيء مهم فاصنع مجلداً جديداً وسمه باسم تاريخ اليوم وضع فيه كل ما لا تحتاجه، بعد ثلاث أشهر عد لذلك المجلد وانظر هل أنت بحاجة لما فيه أم لا؟ غالباً لن يضرك حذفه.

التبسيط الإجباري

لم أكن أنوي كتابة هذا الموضوع لكن وجدت أنه يعود لي بأشكال مختلفة وعلي الحديث عنه، عند الحديث عن التبسيط لا بد أن أجد من يذكر بأنه يعيش تبسيطاً إجبارياً بسبب ظروفه، لأنه لا يملك الكثير فهو يمارس التبسيط بدون إرادة، وقد قرأت تعليقات مختلفة في الشبكة تذكر ذلك، وهذه رؤية للتبسيط تركز على الجانب المادي منها ولن أقلل من شأن ذلك، نعمة كبيرة أن يكون الإنسان غير قلق على رزقه وأين سينام الليلة، وكما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها.

أجد حاجة للحديث عن السياق التاريخي لفكرة التبسيط لأنها فكرة قديمة وقد تحدث عنها فلاسفة الإغريق وقد اختار بعضهم الفقر وكان بإمكانهم العيش في نعمة، وعلى مر التاريخ تكررت فكرة التبسيط بأشكال مختلفة، النساك كانوا وما زال بعضهم يعيش اليوم بعيداً عن الناس للتفرغ للعبادة أو ببساطة للابتعاد عن الناس وملهيات المدينة، وحتى في الإسلام هناك حث على التواضيع والعيش البسيط والاكتفاء بالقليل والرضى بما قسمه الله علينا، هذا كله يمكن أن يكون موضوع كتاب ولا يكفيه فقرات قليلة في مقال.

عندما أتحدث عن التبسيط فلا تظن أنني لا أدرك تفاوت مستويات المعيشة بين الناس، أدرك ذلك وأفهمه وأراه كذلك في بعض الناس حولي، زرت الهند ورأيت مستويات من الغنى والفقر، وفي الهند كذلك رأيت من اختار الفقر والعيش البسيط، في الهند ظهرت مذاهب وأديان مختلفة وبعضها يحث على العيش البسيط ونبذ الرغبة في أي شيء.

مع ذلك لا يمكنني الحديث عن ظروف كل الناس وكيف يمكنهم ممارسة التبسيط، لذا دعوت وسأدعوا الجميع مرة أخرى للكتابة عن تجاربهم وحياتهم، لا أستطيع أن أكتب بصوتك، يجب عليك أن تتحدث وتخبرني والآخرين عن أوضاعك وعن رأيك في التبسيط لكي أسمعك وأفهمك.

الحياة البسيطة موضوع تحدث عنه الفلاسفة في عبر التاريخ بعدما رأوا الترف يفسد الناس، وفي عالم اليوم هناك أكثرية تعيش في المدن التي تشجع الاستهلاكية وتجعل الحياة دائرة لا تتوقف من العمل لكسب المال ثم إنفاق المال على غير الضروري إلى أن يموت الإنسان ولا تتوقف الدائرة بموته لأن غيره يكمل السير في نفس الدائرة، لذلك الحديث عن التبسيط أمر ضروري لكي نكسر الدائرة.

مرة أخرى: أسمعني صوتك، إن كنت تملك مدونة فاكتب موضوعاً وضع رابطاً لهذا الموضوع لكي أنتبه لما كتبته.

علي وكتب التبسيط

هذا فيديو عربي ولا يحتاج مني أن أشرح ما يقوله، الأخ علي كلامه واضح ومنظم، شاهد فقط.

الجزء الثاني:

لماذا التبسيط؟

عندما تقرأ قصص الناس الذين يمارسون التبسيط ستجد أن بعضهم يتحدث عن الحياة قبل التبسيط والحياة بعد ممارسة التبسيط، الحياة قبل ممارسته كانت عشوائية ومثقلة بالقلق والهم والتكاليف المختلفة لكل شيء وعدم توفر وقت، والحياة بعده أصبحت أفضل وأهدأ وهناك وقت لفعل المهم.

بالنسبة لي ليس هناك قبل وبعد، بل أردت الحياة البسيطة منذ كنت طفلاً ولعل هذا بتأثير الرسوم المتحركة التي كانت تعرض الحياة في المزرعة أو الغابة وقد كنت ولا زلت أرى أن هذا ما أريده، أعلم جيداً أن حياة المزرعة ليست سهلة بل هناك الكثير من العمل كل يوم، لكن إلى أن أجد مزرعة (وقد لا يحدث هذا ولا بأس بذلك) سأحاول أن أبقي حياتي بسيطة بقدر الإمكان لأنني أريد ذلك.

سؤال لماذا لم أفكر به كثيراً، وإن بحثت عن إجابة لهذا السؤال ستجد مقالات تتحدث عن فوائد التبسيط مثل توفير المال أو إيجاد وقت لما تراه مهماً لكن هذه إجابات لا تكفيني وأجد أنها تجيب على سؤال آخر وهو: ما هي فوائد التبسيط، لماذا أبسط سؤال يفترض أن تكون له إجابة أعمق من ذلك.

مع التقدم في العمر بدأت أشكل إجابة لهذا السؤال وهي إجابة بسيطة، أنا أعيش حياة مؤقتة وقصيرة في الدنيا ثم سأذهب للحياة الآخرة والأبدية، لا شيء مما أملكه معي سيذهب معي إلى الآخرة إلا عملي، لذلك امتلاك الأشياء يصبح عديم المعنى إن كان بنية الجمع والتفاخر، لا بأس أن تملك الأشياء لكي تعينك على العيش في هذه الحياة المؤقتة لكن لا تحول جمع الأشياء إلى هدفك للعيش.

هذا يتوافق مع فكرتين، الأولى أنني أود تقليل أثري على البيئة بقدر الإمكان وكلما زاد استهلاك الناس للأشياء ازداد الأثر السلبي لهذا الاستهلاك على البيئة حتى لو لم ترى ذلك، المدن الحديثة تحمينا من رؤية أثر الاستهلاكية على البيئة، نحن لا نذهب إلى مكبات النفايات لنرمي النفايات هناك، نحن لا نذبح الحيوانات والطيور التي نأكلها ولو فعلنا ذلك لكان لهذا أثر على استهلاكنا للحوم، الفكرة الثانية هي أنني أود ألا أترك الكثير لمن سيضطر للتعامل مع ما أتركه بعد رحيلي، هذا ما يسميه البعض التبسيط حتى الموت، وهو أن تترك الحد الأدنى من الأشياء لمن بعدك لكي لا تضيع أوقاتهم في التعامل معها.

هذا باختصار إجابتي لسؤال لماذا التبسيط، يمكن تأليف كتاب كامل حول الموضوع لأنه متعلق بالزهد والورع وقد كتب الكثير عنهما. أعترف بأنني بحاجة للعودة لقراءة كتب عن هذه المواضيع بعد أن قضيت عقدين أقرأ في الكتب الإنجليزية.

أنت بحاجة لغفوة

المساحة الفارغة لها وظيفة في التصميم وعند الحديث مع الآخرين، التصميم بدون مساحات فارغة بين الكلمات والفقرات يصبح صعب القراءة، وعندما نتحدث فنحن لا نضع الكلمات خلف بعضها البعض دون توقف، بل نتكلم ونتوقف قليلاً، يحدث أحياناً أن أشاهد فيديو لشخص يتحدث بلا توقف وبسرعة أجد ذلك مزعجاً لأن الفراغ بين الجمل لا يخدم المتحدث بل المستمع كذلك الذي يحتاج لهذه الثوان القليلة لكي يدرك ما يقال ويستوعبه.

في حياتنا كذلك يمكن للفرد أن يضع ما يمكنه من أعمال في يومه ويجعل اليوم كله عمل وإنتاجية وحتى ترفيه بدون توقف، لكن النفس تسأم من ذلك، النفس تحتاج للراحة ولوقت الفراغ وتحتاج حتى للأوقات المملة.

كأنني اشتريت

ما علاقة الفيديو أعلاه بالتبسيط؟ هناك علاقة لكن شاهد الفيديو أولاً فهو لمشروع ممتع في رأيي وصاحب المشروع لن يراه يصل لهدفه ولذلك صممه لكي يدوم حتى بعد وفاته، وهذا ذكرني بمشروع آخر أكثر طموحاً ويهدف إلى صناعة ساعة تدوم لعشرة آلاف عام، هناك جانب مني معجب جداً بهذه الأفكار والمشاريع التي تهدف إلى أن تدوم لعقود أو قرون، الناس يريدون ترك أثر خلفهم وهذا ما حدث، ما زلنا نقرأ أفكار فلاسفة اليونان وكتباً ألفها الناس في قرون مضت من التاريخ الإسلامي بل ونقرأ أشعار الجاهلية وقصص الناس قبل الإسلام.

الشاب في الفيديو رغب في أن يصنع مشروعاً وبدأ بالعمل عليه، كل الأشياء تبدأ بالرغبات، ونحن في هذا العصر نتعرض لحملات دعاية وتسويق ونرى إعلانات في كل مساحة يمكن ليد المعلنين أن تصل لها وهذه الإعلانات صممت لتخلق الحاجة في نفوسنا وتدفعنا لشراء الأشياء، في الماضي غير البعيد كان الفرد يعيش حياته دون أن يرى أو يسمع إعلاناً واحداً، قد يذهب للسوق ويسمع كل بائع ينادي على بضاعته، تسويق له سياق محدد في وقت محدد ولبضاعة محدودة.

الآن المال رقمي ولديك بطاقة ائتمان والسوق عالمي، يمكنك أن تشتري حاسوباً من اليابان وكيس قهوة من البرازيل وكتاب من بريطانيا وقطعة أثاث من محل في نفس مدينتك ووجبة عشاء من المطعم القريب من منزلك، كل هذا وأنت تشاهد التلفاز وتقضي وقتك في التسوق على الهاتف، كلما اشتهيت شيئاً اشتريته بسهولة لأن العوائق بين الرغبة والحصول عليها أصبحت ضعيفة أو معدومة.

في الماضي القريب كانت عملية الشراء من الشبكة صعبة والناس يبحثون عن حلول لها، وقبل ذلك التسوق يعني أن تذهب لسوق محلي وهذا يعني أن تحمل مالك معك وربما تخطط لما تريد شراءه وتذهب لمحلات عدة وتسأل البائع عن البضاعة، كان شراء الأشياء أكثر صعوبة.

هل تعرف قصة مسجد كأنني أكلت؟ هذا مسجد في تركيا بناه شخص كان يريد أن يأكل، كلما اشتهى شيئاً من الطعام وفره وجمع المال ليستخدمه لاحقاً لبناء مسجد، أفكر بهذا الرجل وبرغباتي الكثيرة وكيف يمكنني أن أكون مثله، في النهاية هذه دنيا ستذهب ولن يبقى شيء لي سوى ما تركته من علم أو مشروع خيري.

تحدثت في هذه المدونة عن رغبتي في جمع الآلات الحاسبة، هل هذا ضروري؟ بالتأكيد لا، كذلك رغبت في شراء نماذج سيارات صغيرة أو شراء واحدة فقط لكن بحجم كبير قليلاً، هل هذا ضروري؟ أيضاً لا، هل تركي لهذه الرغبات سيؤثر سلباً علي؟ لا، على العكس، لن أندم على تضييع المال في شيء غير ضروري.

خلال الشهر سأحاول الانتباه لكل رغبة وأرى إن كان بإمكاني تحويلها إلى كأنني أكلت أو كأنني اشتريت.

 

تخلص من 95% من ممتلكاته

هذه قصة رجل وعائلته وقراره بالتخلص من معظم ما يملكه، اقرأ تجربته لعلك تجد فيها حافزاً لفعل شيء مماثل، التبسيط على مستوى الفرد ممكن وأراه سهلاً أما التبسيط على مستوى العائلة فهذا صعب خصوصاً إن كان أفراد العائلة غير متفقين على أهمية التبسيط، الكاتب يتحدث عن رؤيته للوثائقي Minimalism وكان هذا المحرك للتغيير وزوجه كذلك شاهدت الوثائقي واقتنعت بالفكرة.

ماذا عنك؟ هل بدأت التبسيط مؤخراً؟ ما الذي دفعك لذلك؟ أخبرني قصتك مع التبسيط سواء هنا أو في مدونتك.