في نهاية العام الماضي وحتى نهاية الشهر الماضي مارست التبسيط الرقمي، كان لدي قائمة طويلة من مقاطع الفيديو تخلصت من معظمها، في الملف النصي للروابط الذي أجمع فيه روابط للنشر في هذه المدونة كان هناك أكثر من 300 رابط وحذفت معظمها ووصلت إلى ثمان روابط والآن لدي أكثر من ذلك بقليل، مفضلتي في المتصفح تعرضت للحذف كذلك ولا زلت بحاجة لحذف المزيد من الروابط هناك، لا زلت بحاجة للتعامل مع الكتب الإلكترونية التي لا أقرأها إلا نادراً لأن القراءة من الشاشة أمر صعب حقاً، سأترك هذا لموضوع آخر.
تقليل الأثقال الرقمية هو نوع من التبسيط الذهني، في حواسيبنا يمكننا وضع ألف كتاب وحفظ مئات مقاطع الفيديو ولن يشتكي الحاسوب من شيء، لكن أي شيء تضعه في حسوبك سيأخذ مساحة من عقلك كذلك، كلما رأيته ما حفظته ستتذكر أنك لم تقرأ أو تشاهد أو تفعل هذا أو ذاك، وربما حفظت شيئاً لسنوات عدة دون فعل أي شيء تجاه، لذلك أسأل نفسك ما الذي سيحدث لو حذفته؟
مارست التنظيف الرقمي مرات عدة وفي كل مرة أحذف مئات من الروابط … لا يحدث شيء! نادراً ما أندم على حذف ما لم أنتبه له لأيام أو أشهر أو حتى سنوات، إن كان بقاءه لن يفيدك وحذفه لن يضرك فلم يبقى في حاسوبك؟ بالطبع الأمر يتجاوز الحاسوب ليصل إلى المواقع التي تشارك فيها وتحفظ فيها مفضلة ما أو تخزن فيها ملفات مختلفة، احذف منها ما لا تحتاجه.
لم لا تفعل ذلك اليوم؟ ابحث في حاسوبك عن كل شيء لا تحتاجه واحذفه، إن كنت قلقاً من حذف شيء مهم فاصنع مجلداً جديداً وسمه باسم تاريخ اليوم وضع فيه كل ما لا تحتاجه، بعد ثلاث أشهر عد لذلك المجلد وانظر هل أنت بحاجة لما فيه أم لا؟ غالباً لن يضرك حذفه.
لم أكن أنوي كتابة هذا الموضوع لكن وجدت أنه يعود لي بأشكال مختلفة وعلي الحديث عنه، عند الحديث عن التبسيط لا بد أن أجد من يذكر بأنه يعيش تبسيطاً إجبارياً بسبب ظروفه، لأنه لا يملك الكثير فهو يمارس التبسيط بدون إرادة، وقد قرأت تعليقات مختلفة في الشبكة تذكر ذلك، وهذه رؤية للتبسيط تركز على الجانب المادي منها ولن أقلل من شأن ذلك، نعمة كبيرة أن يكون الإنسان غير قلق على رزقه وأين سينام الليلة، وكما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها.
أجد حاجة للحديث عن السياق التاريخي لفكرة التبسيط لأنها فكرة قديمة وقد تحدث عنها فلاسفة الإغريق وقد اختار بعضهم الفقر وكان بإمكانهم العيش في نعمة، وعلى مر التاريخ تكررت فكرة التبسيط بأشكال مختلفة، النساك كانوا وما زال بعضهم يعيش اليوم بعيداً عن الناس للتفرغ للعبادة أو ببساطة للابتعاد عن الناس وملهيات المدينة، وحتى في الإسلام هناك حث على التواضيع والعيش البسيط والاكتفاء بالقليل والرضى بما قسمه الله علينا، هذا كله يمكن أن يكون موضوع كتاب ولا يكفيه فقرات قليلة في مقال.
عندما أتحدث عن التبسيط فلا تظن أنني لا أدرك تفاوت مستويات المعيشة بين الناس، أدرك ذلك وأفهمه وأراه كذلك في بعض الناس حولي، زرت الهند ورأيت مستويات من الغنى والفقر، وفي الهند كذلك رأيت من اختار الفقر والعيش البسيط، في الهند ظهرت مذاهب وأديان مختلفة وبعضها يحث على العيش البسيط ونبذ الرغبة في أي شيء.
مع ذلك لا يمكنني الحديث عن ظروف كل الناس وكيف يمكنهم ممارسة التبسيط، لذا دعوت وسأدعوا الجميع مرة أخرى للكتابة عن تجاربهم وحياتهم، لا أستطيع أن أكتب بصوتك، يجب عليك أن تتحدث وتخبرني والآخرين عن أوضاعك وعن رأيك في التبسيط لكي أسمعك وأفهمك.
الحياة البسيطة موضوع تحدث عنه الفلاسفة في عبر التاريخ بعدما رأوا الترف يفسد الناس، وفي عالم اليوم هناك أكثرية تعيش في المدن التي تشجع الاستهلاكية وتجعل الحياة دائرة لا تتوقف من العمل لكسب المال ثم إنفاق المال على غير الضروري إلى أن يموت الإنسان ولا تتوقف الدائرة بموته لأن غيره يكمل السير في نفس الدائرة، لذلك الحديث عن التبسيط أمر ضروري لكي نكسر الدائرة.
مرة أخرى: أسمعني صوتك، إن كنت تملك مدونة فاكتب موضوعاً وضع رابطاً لهذا الموضوع لكي أنتبه لما كتبته.
عندما تقرأ قصص الناس الذين يمارسون التبسيط ستجد أن بعضهم يتحدث عن الحياة قبل التبسيط والحياة بعد ممارسة التبسيط، الحياة قبل ممارسته كانت عشوائية ومثقلة بالقلق والهم والتكاليف المختلفة لكل شيء وعدم توفر وقت، والحياة بعده أصبحت أفضل وأهدأ وهناك وقت لفعل المهم.
بالنسبة لي ليس هناك قبل وبعد، بل أردت الحياة البسيطة منذ كنت طفلاً ولعل هذا بتأثير الرسوم المتحركة التي كانت تعرض الحياة في المزرعة أو الغابة وقد كنت ولا زلت أرى أن هذا ما أريده، أعلم جيداً أن حياة المزرعة ليست سهلة بل هناك الكثير من العمل كل يوم، لكن إلى أن أجد مزرعة (وقد لا يحدث هذا ولا بأس بذلك) سأحاول أن أبقي حياتي بسيطة بقدر الإمكان لأنني أريد ذلك.
سؤال لماذا لم أفكر به كثيراً، وإن بحثت عن إجابة لهذا السؤال ستجد مقالات تتحدث عن فوائد التبسيط مثل توفير المال أو إيجاد وقت لما تراه مهماً لكن هذه إجابات لا تكفيني وأجد أنها تجيب على سؤال آخر وهو: ما هي فوائد التبسيط، لماذا أبسط سؤال يفترض أن تكون له إجابة أعمق من ذلك.
مع التقدم في العمر بدأت أشكل إجابة لهذا السؤال وهي إجابة بسيطة، أنا أعيش حياة مؤقتة وقصيرة في الدنيا ثم سأذهب للحياة الآخرة والأبدية، لا شيء مما أملكه معي سيذهب معي إلى الآخرة إلا عملي، لذلك امتلاك الأشياء يصبح عديم المعنى إن كان بنية الجمع والتفاخر، لا بأس أن تملك الأشياء لكي تعينك على العيش في هذه الحياة المؤقتة لكن لا تحول جمع الأشياء إلى هدفك للعيش.
هذا يتوافق مع فكرتين، الأولى أنني أود تقليل أثري على البيئة بقدر الإمكان وكلما زاد استهلاك الناس للأشياء ازداد الأثر السلبي لهذا الاستهلاك على البيئة حتى لو لم ترى ذلك، المدن الحديثة تحمينا من رؤية أثر الاستهلاكية على البيئة، نحن لا نذهب إلى مكبات النفايات لنرمي النفايات هناك، نحن لا نذبح الحيوانات والطيور التي نأكلها ولو فعلنا ذلك لكان لهذا أثر على استهلاكنا للحوم، الفكرة الثانية هي أنني أود ألا أترك الكثير لمن سيضطر للتعامل مع ما أتركه بعد رحيلي، هذا ما يسميه البعض التبسيط حتى الموت، وهو أن تترك الحد الأدنى من الأشياء لمن بعدك لكي لا تضيع أوقاتهم في التعامل معها.
هذا باختصار إجابتي لسؤال لماذا التبسيط، يمكن تأليف كتاب كامل حول الموضوع لأنه متعلق بالزهد والورع وقد كتب الكثير عنهما. أعترف بأنني بحاجة للعودة لقراءة كتب عن هذه المواضيع بعد أن قضيت عقدين أقرأ في الكتب الإنجليزية.
المساحة الفارغة لها وظيفة في التصميم وعند الحديث مع الآخرين، التصميم بدون مساحات فارغة بين الكلمات والفقرات يصبح صعب القراءة، وعندما نتحدث فنحن لا نضع الكلمات خلف بعضها البعض دون توقف، بل نتكلم ونتوقف قليلاً، يحدث أحياناً أن أشاهد فيديو لشخص يتحدث بلا توقف وبسرعة أجد ذلك مزعجاً لأن الفراغ بين الجمل لا يخدم المتحدث بل المستمع كذلك الذي يحتاج لهذه الثوان القليلة لكي يدرك ما يقال ويستوعبه.
في حياتنا كذلك يمكن للفرد أن يضع ما يمكنه من أعمال في يومه ويجعل اليوم كله عمل وإنتاجية وحتى ترفيه بدون توقف، لكن النفس تسأم من ذلك، النفس تحتاج للراحة ولوقت الفراغ وتحتاج حتى للأوقات المملة.
ما علاقة الفيديو أعلاه بالتبسيط؟ هناك علاقة لكن شاهد الفيديو أولاً فهو لمشروع ممتع في رأيي وصاحب المشروع لن يراه يصل لهدفه ولذلك صممه لكي يدوم حتى بعد وفاته، وهذا ذكرني بمشروع آخر أكثر طموحاً ويهدف إلى صناعة ساعة تدوم لعشرة آلاف عام، هناك جانب مني معجب جداً بهذه الأفكار والمشاريع التي تهدف إلى أن تدوم لعقود أو قرون، الناس يريدون ترك أثر خلفهم وهذا ما حدث، ما زلنا نقرأ أفكار فلاسفة اليونان وكتباً ألفها الناس في قرون مضت من التاريخ الإسلامي بل ونقرأ أشعار الجاهلية وقصص الناس قبل الإسلام.
الشاب في الفيديو رغب في أن يصنع مشروعاً وبدأ بالعمل عليه، كل الأشياء تبدأ بالرغبات، ونحن في هذا العصر نتعرض لحملات دعاية وتسويق ونرى إعلانات في كل مساحة يمكن ليد المعلنين أن تصل لها وهذه الإعلانات صممت لتخلق الحاجة في نفوسنا وتدفعنا لشراء الأشياء، في الماضي غير البعيد كان الفرد يعيش حياته دون أن يرى أو يسمع إعلاناً واحداً، قد يذهب للسوق ويسمع كل بائع ينادي على بضاعته، تسويق له سياق محدد في وقت محدد ولبضاعة محدودة.
الآن المال رقمي ولديك بطاقة ائتمان والسوق عالمي، يمكنك أن تشتري حاسوباً من اليابان وكيس قهوة من البرازيل وكتاب من بريطانيا وقطعة أثاث من محل في نفس مدينتك ووجبة عشاء من المطعم القريب من منزلك، كل هذا وأنت تشاهد التلفاز وتقضي وقتك في التسوق على الهاتف، كلما اشتهيت شيئاً اشتريته بسهولة لأن العوائق بين الرغبة والحصول عليها أصبحت ضعيفة أو معدومة.
في الماضي القريب كانت عملية الشراء من الشبكة صعبة والناس يبحثون عن حلول لها، وقبل ذلك التسوق يعني أن تذهب لسوق محلي وهذا يعني أن تحمل مالك معك وربما تخطط لما تريد شراءه وتذهب لمحلات عدة وتسأل البائع عن البضاعة، كان شراء الأشياء أكثر صعوبة.
هل تعرف قصة مسجد كأنني أكلت؟ هذا مسجد في تركيا بناه شخص كان يريد أن يأكل، كلما اشتهى شيئاً من الطعام وفره وجمع المال ليستخدمه لاحقاً لبناء مسجد، أفكر بهذا الرجل وبرغباتي الكثيرة وكيف يمكنني أن أكون مثله، في النهاية هذه دنيا ستذهب ولن يبقى شيء لي سوى ما تركته من علم أو مشروع خيري.
تحدثت في هذه المدونة عن رغبتي في جمع الآلات الحاسبة، هل هذا ضروري؟ بالتأكيد لا، كذلك رغبت في شراء نماذج سيارات صغيرة أو شراء واحدة فقط لكن بحجم كبير قليلاً، هل هذا ضروري؟ أيضاً لا، هل تركي لهذه الرغبات سيؤثر سلباً علي؟ لا، على العكس، لن أندم على تضييع المال في شيء غير ضروري.
خلال الشهر سأحاول الانتباه لكل رغبة وأرى إن كان بإمكاني تحويلها إلى كأنني أكلت أو كأنني اشتريت.
هذه قصة رجل وعائلته وقراره بالتخلص من معظم ما يملكه، اقرأ تجربته لعلك تجد فيها حافزاً لفعل شيء مماثل، التبسيط على مستوى الفرد ممكن وأراه سهلاً أما التبسيط على مستوى العائلة فهذا صعب خصوصاً إن كان أفراد العائلة غير متفقين على أهمية التبسيط، الكاتب يتحدث عن رؤيته للوثائقي Minimalism وكان هذا المحرك للتغيير وزوجه كذلك شاهدت الوثائقي واقتنعت بالفكرة.
ماذا عنك؟ هل بدأت التبسيط مؤخراً؟ ما الذي دفعك لذلك؟ أخبرني قصتك مع التبسيط سواء هنا أو في مدونتك.
ولو أقتصر الأمر على (الافتنان) فحسب، لهانت المشكلة. سوى أنني رأيت أنه ليس بمقدوري البدء بروايتي الثانية ما لم أمتلك جهازًا كهذا!
وبذا أصبحت (الأداة) أهمّ من (الغاية).
هذا بالضبط ما يحدث معنا حين نتصفح قوائم أحدث المنتجات عبر الانترنت، ونرى كيف أصبح للأفعال البسيطة (كالكتابة وشرب القهوة والاستماع إلى الموسيقى) أدواتٍ ووسائل حديثة. حينها، أنّى لنا أن نعود إلى البساطة؟!
إن كتبت عن التبسيط خلال هذا الشهر فأخبرني لأضع لك رابطاً.
أود أن أبدأ شهر التبسيط بأمر عملي، يمكن أن أضع ما أشاء من الروابط لمقالات وكتب ودراسات لكن التطبيق العملي قد يكون أفضل حافز ودافع لأي قارئ لكي يبدأ عملية التبسيط، ورأيت أن أبدأ بأصعب شيء علي وهو الكتب، لدي الكثير منها وعلي أن أكون واقعياً فأنا لن أقرأها كلها ما دمت أقضي وقتي في أشياء أخرى، إما أن أقرأ أو أتخلص من الكتب لأن بقائها بدون قراءة لا يختلف كثيراً عن شرائها وتمزيقها، المال الذي أنفقته لشراء الكتب ذهب ولن يعود وقيمة الكتاب في قراءته.
بدأت أولاً بعد الكتب لدي وتبين أن لدي 290 كتاب، لو قرأت في المتوسط خمسين كتاباً في العام سأحتاج لما يقرب من ست سنوات لقرائتها كلها، هذا بدون شراء أي كتاب جديد، واقعياً معدل قرائتي قد يصل إلى عشرة في العام وهذا يعني 29 عاماً لكي أقرأ كامل المكتبة، هذا غير عملي، علي فعل أمرين:
تقليص عدد الكتب.
التوقف عن تضييع الوقت في أشياء أخرى والتركيز على قراءة الكتب، لأن هذا ما أريده.
خلال هذا الشهر سأحاول كل يوم أن أتخلص من كتاب واحد على الأقل أو أكثر، اليوم وضعت خمسة كتب في صندوق وهذا الصندوق سيذهب لمكتبة الكتب المستعملة في نهاية الشهر إن شاء الله.
ماذا عنك؟ ما هو أصعب شيء عليك من ناحية التخلص منه؟ وما الذي ستتخلص منه اليوم؟
مواضيع التبسيط ستكون قصيرة بقدر الإمكان، أحاول محاكاة ما فعلته في مدونة الطريق الأبسط.
هذه تجربة جديدة وقد أكررها لمواضيع أخرى، في شهر فبراير سيكون التبسيط (أو التقليلية إن أردت) هو الموضوع الأساسي لكامل الشهر، أي روابط تنشر أو مواضيع تكتب ستكون عن الشهر باستثناء مواضيع لعبة الفيديو الذي بدأتها قبل يومين، وصلني سؤال من شخص يستفسر لم توقفت عن الكتابة في مدونتي السابقة الطريق الأبسط وهذا جعلني أفكر لم لا أكتب مجموعة مواضيع في وقت متقارب عن التبسيط لأن هناك من يفتقد هذه المواضيع، أو على الأقل هناك شخص واحد يريدها 🙂
أتمنى خلال الشهر أن يشاركني آخرون في مدوناتهم بالكتابة عن تجاربهم وأفكارهم حول ما يعنيه التبسيط وكيف يمكن تحقيق ذلك.
كنت أقرأ مقال في مدونة يتحدث عن الحياة البسيطة ومن رابط لآخر وصلت لمدونة تكتبها امرأة تتحدث عن تجربتها مع الحياة على النمط القديم، تعيش كما لو أنها في الخمسينات من القرن الماضي، هناك أناس يفعلون ذلك بمستويات مختلفة، البعض يكتفي بأن يلبس ملابس قديمة أو يقود سيارة قديمة، هذه المرأة تفعل ذلك في كل شيء، بالكاد تستخدم الكهرباء، تستخدم الشموع لإضاءة بعض غرف المنزل بدلاً من المصابيح، لديها حديقة تزرع فيها الأعشاب والخضار، تغسل الملابس يدوياً، تعمل على حفظ الخضار وتعليبها لتبقى حتى أشهر الشتاء.
هذا اختيارها، هذا بالنسبة لها حياة بسيطة، كل يوم هناك الكثير من العمل في المنزل، تنظيف المنزل وإعداد الطعام وغسل الملابس والعناية بالحديقة وقطف الثمار والأعشاب، هذا عمل شاق لكن مرة أخرى هذا اختيارها وهذا ما يعنيه لها أن تكون حياتها بسيطة.
وأنا أتنقل بين المدونات قرأت في واحدة منها موضوعاً يعرض للقارئ أدوات رخيصة يمكن شرائها وستبسط حياة الفرد، الكاتب يقول بأن دعوته لشراء أشياء تذهب عكس نصيحته بتبسيط الحياة مع ذلك ليس كل ما تشتريه يجعل حياتك معقدة، هناك فرق بين أن تشتري شيء ليحل لك مشكلة وأن تشتري شيئاً على أمل أن يجعلك سعيداً، ما يحل لك مشكلة سيخدمك ويبقى مفيداً ما دمت تستخدمه وقد وضع في القائمة أشياء لا يزيد سعرها عن عشر دولارات وكلها أدوات تبسط عملية التنظيم والتنظيف.
في حين أن شراء شيء على أمل أن يجعلك سعيداً في الغالب لن يفعل ذلك دائماً، قد يسعدك مؤقتاً وبعد ذلك عليك أن تجد شيئاً آخر يسعدك، كالطفل الذي يلعب بلعبة جديدة لساعتين ثم يطلب واحدة أخرى، ولو وجد لعبة كلما طلب واحدة فلن يبقى في البيت مساحة لا تغطيها الألعاب.
الكبار يفعلون نفس الشيء أو بعضهم يفعل ذلك وألعاب الكبار تختلف في أنواعها لكنها تتشابه في سبب شرائها، ولست أقول أن شراء أي شيء هو أمر خطأ وسلبي، الأمر يعتمد على نية المشتري، مثلاً أفكر في شراء مذياع مع أن الحاسوب والهاتف يقدمان إمكانية الاستماع للإذاعات، لكن المذياع ليس حاسوباً وبالتالي الاستماع له لا يحتاج للاتصال بالشبكة ولن يلهيني بأي شيء آخر، هذا نوع من التبسيط، شخص آخر قد يرى ذلك تعقيداً لأنه شراء شيء آخر ويعرف التبسيط بأنه التخلص من كل شيء لا يحتاجه.
وأنا أقرأ في المدونات تذكرت تضايقي من كلمة التقليلية (Minimalism) وهي كلمة تضايقني عندما تستخدم للحديث عن تبسيط الحياة، لأنه تجعل البعض يظنون أن التبسيط هو نمط للفن والتصميم الداخلي للمنازل ويبدو شيء مثل هذه الصورة:
يمكنني وضع عشرات الصور الأخرى التي تعرض تصاميم داخلية لمنازل خالية من التفاصيل ويغلب عليها اللون الأبيض وبالكاد تحوي أي شيء، هذا نوع من التبسيط لكنه للمظهر ولن أنكر أنني كنت أعرض مثل هذه الصور وأتحدث عن هذا النمط من التصميم، لكن لم أفكر يوماً بأن هذا هو النوع الوحيد من التبسيط بل هناك أنواع كثيرة، يمكن للتبسيط أن يكون بأي شكل، يمكن للغرفة أو المنزل أن يحوي الكثير من التفاصيل والديكور والأثاث والأشياء.
ما هو نوع التبسيط الذي تفضله؟
أن تنمي مهاراتك وتمارس التقشف وتجري أعمال صيانة مختلفة في المنزل وتعتمد على نفسك في شؤون المنزل المختلفة، كل هذا يتطلب أدوات مختلفة ومهارات تكتسبها بالممارسة، هذا نوع من التبسيط، هناك أناس لديهم ما يكفي من المال لعدم فعل أي شيء من ذلك، يمكنهم الاعتماد على خدمات ومنتجات الآخرين.
بصراحة لا أدري ما الذي أريد قوله هنا، أحاول جمع شتات أفكار مختلفة، سيكون لي مواضيع أخرى حول الحياة البسيطة … ولاحظ؛ البسيطة وليس التقليلية!
ربما من المبكر الآن الحديث عن العام المقبل وهذا العام لم يكن طبيعياً، أحياناً أشعر بأن الوقت يمر ببطء وأن شهر مارس كان قبل أعوام عدة وليس قبل أشهر، على أي حال الوقت يمر كالمعتاد، وقد رأيت أن أفعل شيئاً كنت بحاجة لفعله في الماضي، لدي ملف روابط فيه المئات من الروابط، لدي في المفضلة العشرات من الروابط، لدي في يوتيوب قائمة مشاهدة تتجاوز 300 فيديو، لدي في قائمة المشاريع العشرات من الأفكار، في نهاية هذا العام سأحذفها كلها.
العام الجديد نقطة بداية جيدة وأعلم أنه بالإمكان أن أفعل ما أريد الآن، لكن لا أود التسرع، أرغب في أن أجعل هذه عادة جديدة أمارسها كل عام، بدلاً من حمل أثقال العام الماضي معي إلى العام الجديد أحذف كل شيء لأبدأ بداية أخرى، وسأضيف لذلك قائمة كتب طويلة حقاً وتزداد طولاً كل عام لأنني أضيف لها كل عام عناوين جديدة.
ليست هذه المرة الأولى ولا الأخيرة التي أمارس فيها حذف الأشياء في حاسوبي، نادراً ما أندم على فعل ذلك لأن المصادر لا تنتهي وتزداد عاماً بعد عام وحفظها يشكل ثقلاً علي لأنني أنتبه إلى كل شيء لم أقرأه أو أشاهده بعد وهذا يشتت انتباهي لأن هناك الكثير من الأشياء التي أود فعلها لكن لا أركز على إنجاز شيء واحد ثم أنتقل لآخر، بل أنتبه لهذا وذاك وأحاول إنجازهما معاً وهذا لا يختلف كثيراً عن محاولة المشي إلى الشرق والغرب في نفس الوقت … لن أصل إلى أي مكان.
أيضاً سأحاول فعل نفس الشيء مع الحاسوب نفسه وكل شيء أملكه، هي فرصة لإعادة تنظيم كل شيء والتخلص مما لا أحتاجه للاستعداد للعام الجديد.
عند الحديث عن تبسيط الأماكن هناك دائماً من يرى أن الأماكن شبه الخالية أو الجدران الخالية من الزينة أو الغرفة التي لا تحوي الكثير هي أماكن مملة، لكن هناك الآن بحث يقول بأن العكس هو الصحيح، وجود الفراغ يعطي مساحة للذهن للتفكير في احتمالات أخرى لما يمكن فعله، بالطبع نتائج البحث ليست نهائية لكنها تشير إلى أن فكرة الغرف البسيطة هي غرف مملة ليس بالضرورة أن تكون فكرة صحيحة.
يمكن أن نفهم ذلك عندما نشاهد الأطفال، هناك أطفال لديهم كل الألعاب التي يريدونها ومع ذلك يشعرون بالملل لأن الخيارات كثيرة ولا يركزون على لعبة واحدة لوقت كاف، في حين أن الطفل الذي لديه ألعاب أقل قد يستمتع بها أكثر، حتى الكبار يعرفون هذه المشكلة، الخيارات الكثيرة تزيد حيرة الفرد وتقلل من سعادته بأي اختيار.
لا يحمل أحدنا منزله بالكامل عندما يسافر، ليس لدينا التقنية التي تسمح لنا بفعل ذلك بعد، العالم سيصبح قبيلة بدوية عندما يكتشف تقنية تسمح له بوضع كل شيء في حقيبة تحوي داخلها عالماً أكبر من حجمها، إلى ذلك الحين؛ عندما يسافر أحدنا يحمل معه حقيبة محدودة المساحة.
وبعضنا يدرك بعد السفر أن ما كان يحمله في حقيبته يكفيه ليعيش أسبوعين أو ثلاثة بدون مشكلة، فلم لا يمكنه العيش مع هذا القليل لبقية حياته؟ بدلاً من خزانة ملابس يكفيك أن تملك بعضها، وما يحويه منزلك من ممتلكات لم تحملها معك في سفرك ربما لا تحتاجها حقاً، ورقمياً يجد أحدنا أن جهازاً واحداً يغنيه عن كل شيء آخر، ربما الهاتف الذكي فهو قادر على تقديم وظائف كثيرة اليوم.
الآن تصور لو أنك تحمل حقيبة أخرى معك في سفرك وهذه الحقيبة لن تحوي إلا الأفكار والأهداف والمشاكل الضرورية التي يجب أن تفكر بها، ما الذي ستحويه هذه الحقيبة؟ الحقيقة هنا أننا عندما نسافر فنحن نحمل معنا كل أفكارنا وأهدافنا ومشاكلنا ونحمل معنا الماضي فهو جزء منا.
لكن من ناحية أخرى البعض يستطيع أن يترك خلفه جزء من الأفكار والأهداف والمشاكل، مثلاً البعض يضع حاجزاً صارماً بينه وبين العمل، عندما يسافر فهو في إجازة ولن يعمل بأي شكل ولا حتى يسمح للعمل بالتواصل معه أثناء السفر، بل البعض يذهب أبعد من ذلك ويستخدم برنامجاً يحذف كل البريد الإلكتروني الذي يصلهم أثناء السفر والإجازة.
إن كان بالإمكان أن تعيش بما تحويه حقيبة الأشياء فما الذي يمكنك أن تتركه خلفك لأنك لا تستطيع أن تضعه في حقيبة الأفكار؟ أدرك بأن الأمر ليس سهلاً فأنا أعاني من التفكير في كل شيء، اليوم مثلاً تذكرت أموراً محرجة تجعلني أحجم عن العودة للتفاعل مع الناس في المجتمع على أرض الواقع، لأنني أخشى أن يتذكروا ما يحرجني والآن هذا خوف يقيدني وحقيقة هذا خوف يعيش معي منذ عقدين الآن.
ممارسة الإدراك تحتاج منك أن تكتب بالورق والقلم، ضع قائمة لكل الأفكار والمشاعر الإيجابية والسلبية، لكل الأهداف والتطلعات، ثم بقلم آخر ضع خطاً فوق ما يمكنك أن تتخلص منه، لو أن أحدنا يعيش ألف عام لما كفته الألفية ليحقق كل شيء يريد، فاحذف بعض أهدافك وتطلعاتك، ضع خطاً فوقها وحاول أن تعش بسلام مع ذلك … هذا ليس سهلاً لكن يحتاج منك ومني أن نبدأ بفعل ذلك.
مقطع الفيديو أعلاه هو لقاء مع ياباني يصف نفسه بأنه “منيميلست” وهي كلمة بدأت تضايقني عندما يتحدث الناس عن تبسيط حياتهم، ربما لأنها تستخدم كتصنيف؟ أنا أمارس التبسيط لكن لن أصف نفسي بأني تبسيطي! أو لأنها تستخدم كثيراً في سياق التصميم في حين أنني أفضل كلمة التبسيط عند الحديث عن تبسيط الحياة.
على أي حال، الرجل كان يعيش في فوضى ويقول بأنه كره نفسه ولم يكن يمارس التنظيف والترتيب كما يريد، وفي اليابان كانت هناك موجة التبسيط وهذا ألهمه ليمارس التبسيط، ويرى أن يمارس التبسيط هم في الغالب أناس لا يحبون التنظيف والترتيب وبالتالي يمارسون التبسيط ليوفروا على أنفسهم العناء.
سبق أن قلت بأن التبسيط يلغي الحاجة للتنظيم، عندما تكون لدي أشياء قليلة فلن تحتاج لتنظيمها، التنظيم يصبح حاجة فقط عندما تزداد الأشياء.
الرجل في الفيديو يقول بأن التبسيط جعله يقدر أكثر وقته وهذا ما دفعه للاستقالة من عمله ليركز على فعل ما يريده وهو الكتابة وهو الآن راض عن حياته بدلاً من الانتظار حتى يصل إلى الشيخوخة ليكون راضياً.
هذا ملخص سريع للفيديو، الفيديو ذكرني بأنني أريد ممارسة التبسيط لكن علي أن أكون واعياً أكثر بذلك لأن الفوضى تعود، فوضى الأشياء وفوضى الأفكار والملهيات، أن تبسط الأشياء فهذا سهل، يمكن التخلص بسهولة من الأشياء التي اشتريتها ولست بحاجة لها، لكن كيف تتخلص من الأفكار التي لا حاجة لها؟ كيف تمرن نفسك على أن تركز وتصبح واعياً بأفكارك وقراراتك طوال اليوم؟ هذا أمر أود الحديث عنه أكثر وأود تعلمه أكثر، لأنني نسيت كم هو مهم لتبقى الحياة بسيطة، لأن العالم الآن متخم بما يشتت الانتباه.
هذا الموضوع بداية للحديث عن التبسيط أكثر في هذه المدونة.