نظرة على OpenDoc

عندما تنظر لشركة أبل اليوم وحجمها الهائل فقد تجد صعوبة في إدراك أنها كانت شركة على وشك الإفلاس في 1997، عندما اشترت أبل شركة نكست (NeXT) التي أسسها ستيف جوبز وبذلك أعادت جوبز إلى شركته الأولى؛ كانت أبل على بعد أسبوعين فقط من الإفلاس، بالطبع الإفلاس لا يعني بالضرورة إغلاق الشركة لكنه جدار لا يريد أحد الاصطدام به.

ستيف جوبز اضطر لوضع الشركة في برنامج حمية قاسي وألغى مشاريع كثيرة وقرر أن الشركة ستركز على منتجات قليلة لتصنعها بأسرع وقت وتنقذ الشركة، كذلك استعان ستيف جوبز بمايكروسوفت لكي تستثمر في أبل حتى تستطيع أبل تطوير منتجات جديدة، وهذا ما حدث وقد كان حاسوب آيماك هو أول نتيجة للخطة الجديدة وهو الحاسوب الذي أنقذ أبل من الإفلاس.

من بين المشاريع التي أوقفها ستيف جوبز كان كل حواسيب ماكنتوش والتي كانت في تلك الفترة خط منتجات معقد وكثير الخيارات، كذلك مشروع ترخيص مصنعي حواسيب لطرح أجهزة بنظام ماك، لفترة في التسعينات كان بإمكان البعض شراء حواسيب تعمل بنظام ماك من شركات مختلفة وهذا لم يكن مشروعاً في صالح أبل لأن أبل تعتمد على أجهزتها لكسب الأرباح، كذلك ألغت أبل مشروع جهاز نيوتن الحاسوب الكفي والذي كان مشروع مدير أبل جون سكالي، المدير الذي وظفه ستيف جوبز ثم بعد سنوات قليلة كان سبباً في خروج جوبز من الشركة.

وألغت كذلك موضوع هذا المقال، تقنية ومشروع OpenDoc.

الوثائق والمكتب

سوق الحواسيب في بدايات التسعينات كان مفتوحاً للمنافسة لكن أعداد المنافسين بدأت تنخفض، الحواسيب الشخصية المتوافقة مع حاسوب آي بي أم بدأت تأخذ حصة أكبر من السوق، نظام دوس وواجهة ويندوز (لم يكن نظاماً بعد) هما الخيار الأفضل للكثير من الشركات، أبل تغرد في عالم آخر ولم يكن وضعها في السوق جيداً وتعاني من انخفاض أرباحها، مايكروسوفت طرحت أوفيس وقريباً ستصبح حزمة البرامج هذه هي الخيار المفضل للكثير من الشركات، وفي منتصف عقد التسعينات رسخت مايكروسوفت مكانتها في السوق بطرح نظام ويندوز 95 وأوفيس 95 وكانت هذه البداية الفعلية لهيمنة مايكروسوفت والحواسيب الشخصية على السوق.

الاستخدام المكتبي للحاسوب الشخصي كان هو الاستخدام الأهم والسبب الأساسي لشراءه، الحاسوب لم يصبح بعد الجهاز الذي يشتريه الناس لمنازلهم ولن يستمر الوضع لوقت طويل لأن الناس بدأوا يشترون الحواسيب لمكاتبهم المنزلية وللألعاب وقريباً لكل شيء بما في ذلك شبكة الإنترنت.

الحاسوب المكتبي كان فعلاً مكتبياً حيث غير طريقة الناس في التعامل مع الوثائق، بدلاً من كتابتها على الآلات الكاتبة يمكن الآن تصميمها وكتابتها في معالج كلمات ثم طباعتها، أضف لذلك برامج المحاسبة وإدارة الموظفين والمراسلة وإمكانية الاتصال بقواعد بيانات ضخمة واستخدام بعض الشركات للبريد الإلكتروني، الوثائق كانت مهمة ولا زالت لكن في ذلك الوقت كانت هي الهدف الأساسي لاستخدام الحواسيب.

كان هذا قبل ظهور الويب وحتى بعد ذلك بسنوات، الويب ستحتاج لعدة سنوات لتصبح منصة النشر والتواصل والأعمال مناسبة للشركات، لذلك كانت المؤسسات تعتمد على التطبيقات ومايكروسوفت كانت في طريقها للاستحواذ على الحصة الأكبر من سوق التطبيقات المكتبية.

مايكروسوفت أوفيس كان في بدايته حزمة برامج وضعت في صندوق واحد، بعدها بدأت مايكروسوفت في تحويله لحزمة برامج تشترك مع بعضها البعض في أجزاء عديدة ويمكن وضع عناصر من برنامج في آخر، مثلاً يمكنك تضمين جدول من إكسل في وورد وتحريره من معالج الكلمات، هذا ليس مجرد نسخ بل ربط، النسخ يعني أن أي تغيير في معالج الكلمات لن يؤثر على الجدول في إكسل بينما التضمين يعني عكس ذلك، هذه التقنية سمتها مايكروسوفت OLE أو Object Linking and Embedding، وبترجمة حرفية: تضمين وربط العناصر أو الكائنات.

أبل كانت بدورها تطور تقنية مماثلة وحاولت التعاون مع مايكروسوفت ولم ينجح ذلك، عدة شركة حاولت تطوير تقنية تحول الوثيقة من شيء ساكن إلى شيء أكثر تفاعلاً، أن تصبح الوثيقة كصندوق لعناصر مختلفة مثل النص والصور والفيديو والإحصائيات والجداول وغير ذلك وأن يكون هناك برنامج لكل عنصر كما فعلت مايكروسوفت، مشروع OpenDoc كان مختلفاً وفكرة سبقت وقتها.

ما هي تقنية OpenDoc؟

كما يقول دليل المبرمجين لتقنية OpenDoc الذي نشرته أبل؛ تقنية أوبندوك هي مجموعة مكتبات يمكن استخدامها لصنع محرر ومستعرض محتوى، المحتوى قد يكون نصاً أو صورة أو صورة متحركة أو مقطع فيديو أو جدول بيانات أو رسومات بيانية وغير ذلك، كل هذا يمكن فعله في الوثائق وهي تقنية تحول الوثائق إلى العنصر الأهم في الواجهة وتصبح التطبيقات أقل أهمية فهي مجرد أدوات.

التقنية صممت لكي تعمل على أنظمة تشغيل عدة مثل ويندوز وماك وOS/2 ويونكس، المطورون يمكنهم صنع أدوات بسيطة يمكن برمجتها بسهولة ونشرها على منصات عدة بسهولة كذلك، تقنية أوبندوك لا تتطلب صنع تطبيقات كبيرة تحوي كل شيء قد يحتاجه أو لا يحتاجه المستخدم بل تصمم أدوات يمكن جمعها لتتناسب مع احتياجات الفرد، والمستخدم هنا هو من يجمع الأدوات التي يريدها وليس المطوروين.

من ناحية المستخدم فهو يستفيد من هذه التقنية بأن يتمكن من التعامل مع أنواع عديدة من المحتوى في مكان واحد بدلاً من التنقل بين التطبيقات، وهذه ميزة رائعة ولا زلنا نفتقدها اليوم، كذلك أوبندوك ستسمح للمستخدم بمشاركة الوثائق مع آخرين والتعامل معها بسهولة وهذا أمر كان صعباً في ذلك الوقت.

مشروع أوبندوك كان واحداً من عدة مشاريع تعمل عليها أبل لتطور الجيل التالي من أنظمة التشغيل والبرامج وكلها مشاريع فشلت في تحقيق شيء لأسباب عدة وأهمها أبل نفسها لم تكن منظمة ولم تكن فرق الموظفين تتعاون للإنجاز المشاريع كما يجب، من بين كل المشاريع التي فشلت أوبندوك تجاوز كونه فكرة ومشروعاً داخلياً ليصبح مشروعاً كاد أن يصل لهدفه.

شاهد هذا الفيديو الذي تقدم فيه أبل تقنية أوبندوك، الفيديو فيه شيء من روح التسعينات:

فيديو آخر يوضح وثيقة من نوع أون دوك، لاحظ القائمة العلوية وكيف تتغير خياراتها عندما يختار المستخدم عناصر مختلفة من الوثيقة:

صورة توضيحية من كتاب لأبل حول التقنية توضح الفرق بين وثيقة أوبندوك والوثيقة التقليدية:

فكرة المشروع كانت ولا زالت رائعة لكن التطبيق؟ كان مشكلة ولم يحقق الرؤية التي يهدف لها المشروع، في البداية البرنامج كان ثقيل الوزن ويتطلب ذاكرة أكثر مما يملكه المستخدمون، يحتاج على الأقل 8 ميغابايت من الذاكرة في حين أن المستخدم قد يملك 2 إلى 4 ميغابايت، أضف إلى ذلك أن فكرة نشر الوثائق لأي نظام أو مستخدم آخر وإمكانية استعراضها وتحريرها لم تنجح، لأن متلقي الوثيقة عليه أن يملك الأدوات التي تمكنه من استعراض وتحرير محتوياتها وإن لم يكن يملكها فعليه شراءها وإلا لن تعمل الوثيقة كما يجب.

تصور أن س من الناس صنع وثيقة باستخدام أدوات من شركة لوتس مثلاً، وأرسلها إلى ص من الناس الذي يملك أدوات من شركة آي بي أم، لكن أدوات لوتس وآي بي أم غير متوافقة مع بعضها البعض وبالتالي ص لا يمكنه استعراض أو تحرير الوثيقة، هذا مجرد مثال فقط.

ظهرت برامج تعتمد على أوبندوك لكن هذا لم يستمر طويلاً، أبل كانت في تراجع وأوبندوك لم يحقق رؤيته التي يفترض أنها ستحرر المستخدم من قبضة التطبيقات وهذا لم يحدث، ثم جاء ستيف جوبز وأوقف المشروع كما يفترض أن يحدث، أبل كانت بحاجة لحمية قاسية لكي تستمر.

خلاصة

مشروع أوبندوك كان ولا زال فكرة رائعة لكن تطبيقها فشل في تحقيق الهدف، أبل كانت في وضع سيء في ذلك الوقت ومتخمة بمشاريع مختلفة بعضها لا هدف له سوى أن يحل مشكلة تقنية دون أن يتحول لشيء يريد الناس شراءه، الشركة لم يكن لها توجه أو هدف تسعى له، كانت شركة ضائعة تحاول السير في اتجاهات عدة في نفس الوقت.

فكرة مثل أوبندوك تحتاج شجاعة وإتقان لأنها فكرة تلغي التطبيقات وهذا لم يحدث فعلياً مع أوبندوك لأن أبل لم ترغب في مضايقة مطوري التطبيقات، كذلك أوبندوك تغير الواجهة جذرياً إن ألغت التطبيقات وهذا لم يحدث، هي فكرة طبقت بأسلوب سيء ولذلك استحقت أن يقتلها ستيف جوبز، لم يكن هناك أمل في إصلاح المشروع، فكرة مثل أوبندوك يفترض نظرياً أنها تقلل من تعقيد البرمجة وتطوير الأدوات وترفع من إمكانية الأدوات وتعطي المستخدم حرية استخدام أدوات مختلفة من مطورين عدة، جزء من هذا حدث وهذه هي المشكلة، أبل أرادت الوصول للفضاء لكنها اصطدمت بالسقف!

مشروع مثل أوبندوك يحتاج أن يصل إلى الفضاء ويحقق أهدافه وأكثر من ذلك، عندما تعمل على فكرة قد تغير السوق جذرياً فليس هناك مجال للتراخي والتساهل في تطبيقها، إما أن تطبقها وتصل بها إلى الهدف أو لا تبدأ المشروع من الأساس.

هذا الموضوع تطلب مني الكثير من الجهد لأن التفاصيل كثيرة حقاً، كان بإمكاني كتابة عدة مقالات عن هذه التقنية أو حتى كتاب يتحدث عن كل التفاصيل، لكن فضلت أن أضع فقط ما يهم هنا، الفكرة العامة ومن أراد المزيد من التفاصيل فهناك الروابط في المقال.

للمزيد:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.