
قرأت مقال جوّالك الغبي صديقك المستقبليّ؟ ولدي بضعة أفكار عن الموضوع الذي جاء في الوقت الذي كنت أفكر فيه حول الهواتف الذكية وكيف أنها تحولت من أدوات توفر الوقت والجهد لتصبح قيداً يريد البعض الفرار منه بلا فائدة.
(1)
أزور بعض مراكز التسوق بين حين وآخر وغالباً في الصباح لأنني أكره التسوق في المساء وفي الزحام وغالباً أمر على مقهى أو مطعم، مرة ذهبت لمطعم وجلست أنتظر وصول عامل ليعطيني قائمة كما هو معتاد، العامل تأخر ولا بأس في ذلك فلست مستعجلاً والمكان جميل، جاءت عاملة تحمل معها جهاز حاسوب لوحي وقلم خاص له وسألتني ما هي طلبيتي، قلت لم أرى القائمة بعد، أشارت إلى مربع QR على لوحة إعلانية صغيرة وضعت على كل طاولة وقالت “القائمة هنا” ثم ذهبت.
لدي هاتف ذكي ويمكن رؤية القائمة، لكن ما الذي سيحدث لو لم يكن لدي هاتف ذكي؟ إما سيعطوني قائمة ورقية كما هو معتاد أو تأخذ العاملة هاتفها لتعرض علي القائمة أو ربما تخبرني ببعض ما يصنعون، وفي حالات قرأت عنها الجرسون يترك الزبون بدون خدمة!
المؤسسات التجارية بدأت بالتحول التدريجي للهواتف الذكية وفي بعض الدول أصبح الهاتف وتطبيقاته هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع بعض المؤسسات وهذا يعني أن مالكي الهواتف غير الذكية لا يستطيعون الوصول لخدمات ومنتجات هذه المؤسسات.
لا أرى مشكلة إن لم أجد خدمة في مقهى أو مطعم لأنني لم أملك هاتفاً ذكياً في نفس الوقت أرى أن المؤسسات عليها أن تكون مرنة في التعامل مع الناس، الكفاءة كمعيار وحيد للتعامل مع الناس يقتل آدميتهم ويجعل الآلات تحكم العلاقات بين الناس، الكفاءة تعني السرعة وتوفير الوقت لكن ماذا خسرنا بوضع الآلات بيننا وبين الآخرين؟
(2)
قبل بداية انتشار الكوفيد بأيام فقط وصلني هاتف آيفون هدية وقد جاء في وقته المناسب، سبق أن اقتنيت آيفون قبل أعوام واستخدمته في التصوير أكثر من أي شيء آخر وتخلصت منه، استخدمت الهاتف غير الذكي والذي يسمى ظلماً الهاتف الغبي لسنوات حتى جاء الكوفيد وقبله الآيفون الذي ما زلت أستخدمه.
في فترة الكوفيد ولزيارة أي مكان كان علي إجراء فحص كوفيد وعند زيارة أي مكان علي عرض تطبيق خاص يبين أنني غير مصاب بالمرض وهذا تطبيق حكومي يعرض بطاقات ملونة، إن كانت رمادية فهذا يعني أنني لم أجري فحصاً مؤخراً، البطاقة الخضراء تعني أنني أجريت الفحص ولست مصاباً بالمرض والحمراء تعني أن علي البقاء في المنزل وممارسة الحجر الصحي، ليس هناك بطاقة صفراء للأسف!
قبل كوفيد بدأت المؤسسات الحكومية في التحول للمعاملات الرقمية وتسارع هذا التحول أثناء سنوات الكورونا ليصبح الهاتف متطلباً أساسياً لإنجاز أي معاملة، وأنا بحاجة لتكرار إنجاز معاملات قليلة كل عام، هكذا أصبح الهاتف الذكي ضروريا، بإمكاني اختيار عدم امتلاك واحد لكن هذا سيجعل حياتي صعبة بلا فائدة وأجد في هذا مشكلة.
الهاتف كان تلك الوسيلة التي يفترض أن تعطينا الحرية لكنها الآن أصبحت قيداً وضرورة وهذه ظاهرة عالمية وليست فقط محلية أو إقليمية، أقرأ قصص الناس الذين قرروا عدم اقتناء هاتف ذكي وكلهم يذكر أن حياتهم تزداد صعوبة بمرور السنين وأنهم يدركون بأنهم سيجبرون على الهاتف الذكي في وقت ما.
هذا ما حدث مع السيارات التي كانت في عقود مضت رمزاً للحرية ولا زالت شركات السيارات تسوق لها على أنها رمز للتحرر من قيود المدينة لكن السيارة تحولت لقيد ولضرورة لا يمكن للملايين الاستغناء عنها، السيارة أصبحت قيداً يحبس الفرد عندما يذهب للعمل ويعود وقد يقضي في الطريق ساعة أو ساعتين كل يوم، لا عجب أن كثيرون فرحوا بفكرة العمل من المنزل لأنها توفر عليهم الوقت والمرء في منزله سيجد راحة أكبر من أي مكتب.
أفهم فائدة استخدام الهاتف الذكي التي تتوقع المؤسسات أن كل شخص يملكها فهي أكثر كفاءة وسرعة ومتصلة بالشبكة دائماً ويمكن تقديم الخدمات من خلالها بسهولة.
لكننا نعلم مشاكل الهواتف وتطبيقاتها ونتفق على وجود هذه الظواهر وسلبياتها وننتقدها ثم تعمل المؤسسات على تقييد الناس بالهواتف بدلاً من توفير طرق مختلفة للحصول على خدماتها.
أرى أن من الواجب على المؤسسات عدم فرض الهاتف كوسيلة وحيدة للحصول على أي خدمة، بوجود الحاسوب وتقنياته يمكن من خلال بطاقة هوية أن تقدم المؤسسة الخدمة بسهولة لأي شخص في مكاتبها لكن بعض المؤسسات لا ترغب في تقديم الخدمات للناس مباشرة في مكاتبها وتود منهم استخدام التطبيقات فقط.
كذلك هناك المواقع التي يفترض أن تكون البديل للتطبيقات، مهما كانت الهواتف فهي حواسيب مقيدة بمنصات تملكها شركات أمريكية وليس من الحكمة الاعتماد عليها كلياً في حين أن تقنية مثل الويب ذات معايير مفتوحة ومتفق عليها لا تستخدم بكفاءة، والهاتف غير الذكي يمكنه تلقي الرسائل النصية القصيرة وهذه تستخدم للتأكد من هوية الفرد ولحماية حسابات الناس.
ثم هناك مكاتب إنجاز المعاملات التي يمكن أن توفر على المؤسسات عناء التعامل المباشر مع الجمهور، وقد استخدمت أحد هذه المكاتب في إنجاز معاملات مؤخراً، المشكلة أن إنجاز المعاملة بسهولة يتطلب مني امتلاك الهاتف وامتلاك تطبيق محدد يؤكد هويتي في حين أن بطاقة الهوية لا تستخدم لفعل ذلك.
(3)
ظهور آيفون قتل أي فرصة لتطوير الهاتف غير الذكي، وقد حاولت شركات عدة تطوير هواتف غير ذكية كوسيلة لتجنب مشاكل الهواتف الذكية وهي شركات صغيرة لا يمكنها صنع منتجاتها بأعداد كبيرة مما يعني ارتفاع أسعار منتجاتها، الناس يرون أسعار هذه المنتجات التي يفترض أن تكون أرخص من الهواتف الذكية لكنها غالية وبسعر هواتف ذكية ذات خصائص جيدة ويعلقون بأنه ليس من المنطق شراء منتج يقدم خصائص أقل مقابل سعر أكبر.
قيمة هذه الأجهزة لا تكمن في خصائصها بل عدم وجود الكثير منها، لكن حتى الهواتف غير الذكية من شركات مثل نوكيا (ما زالت تصنع إلى اليوم) والتي تباع بأسعار رخيصة تجد انتقادات لعدم توفيرها هذه الخاصية أو تلك، كل شخص يرى أن الهاتف سيكون كاملاً لو وفر هذه الخاصية التي يريدها ولو استمعت الشركات لمقترحات الناس سيتغير الهاتف غير الذكي ليصبح هاتفاً ذكياً في النهاية.
ثم هناك مشكلة منصات الهواتف الذكية، المؤسسات على اختلافها ستطور تطبيق لآيفون وآندرويد لكن لن تفعل ذلك لمنصة ثالثة، الهواتف التي تعمل بنظام كاي (KaiOS) مثلاً ليست هواتف غبية بل يمكن اعتبارها هواتف ذكية لكنها أبسط ويمكن تطوير تطبيقات لها، من سيفعل ذلك؟ أي منصة هاتف ثالثة ستعاني من الحصول على دعم من المطورين.
وجدت الحل شخصياً في امتلاك هاتفين، الذكي الذي لن أستخدمه إلا عند الحاجة وهذا يعني بضعة أيام في العام وباقي العام يمكن استخدام الهاتف غير الذكي والذي لا شك سيعطيني راحة البال على الأقل من ناحية عدم الحاجة لشحن بطاريته كل يوم.
لكن ماذا عن الناس الذين يعتمدون كثيراً على الهاتف الذكي؟ يستخدمون تطبيق خرائط للذهاب لأي مكان، يستخدمون تطبيق كتب لقراءتها أو الاستماع لها عندما يجدون وقت فراغ يمكن استغلاله لفعل ذلك، أو يشغلون تطبيقات التواصل والشبكات الاجتماعية ويستخدمونها لسد أي فراغ في يومهم، هؤلاء لن يستفيدوا من الهاتف غير الذكي وقد جرب العديد من الناس ترك الهاتف الذكي ليعودوا له بسرعة.
قبول الهواتف الذكية كما هي واعتبارها جزء من الحياة العصرية بإيجابيتها وسلبياتها ليس من الحكمة، منذ ظهور الهواتف الذكية وانتشار الشبكات الاجتماعية ونحن نقرأ عن مشاكلها المتعددة وتلصص المؤسسات على خصوصيات الناس وتقديم المؤسسات مصالحها على مصالح المجتمعات وعدم اكتراثها بأن خدماتها تسببت بمشاكل عميقة على أرض الواقع، الحل ليس قبول الهاتف الذكي كما هو، ولا أستطيع تقديم حل واحد يناسب الجميع لكن كل ما أود من القارئ فعله هو أن يجرب أفكاراً مختلفة، احذف بعض التطبيقات إن كان بإمكانك استخدام مواقعها على حاسوبك الشخصي، توقف عن استخدام الهاتف في نهاية الأسبوع ولمرة واحدة فقط، جرب الهاتف غير الذكي لفترة.
أياً كان ما ستفعله فعليك أن تفكر في علاقتك بالهاتف وما تأخذه منه وما يأخذه منك.