
عند زيارة الصفحة الرئيسية ليوتيوب أرى دائماً مقترحات لمقاطع فيديو مختلفة ولم أكن يوماً معجباً بمحتويات هذه الصفحة لذلك الرابط الذي أزوره في الغالب يقودني مباشرة لصفحة الاشتراكات لأرى آخر ما نشرته القنوات التي اشتركت فيها، حالياً يوتيوب يجري تغيرات عدة ومن بينها عدم عرض شيء في الصفحة الرئيسية لأن المستخدم فعل ما فعلته وهو إلغاء خاصية تاريخ المشاهدة، ألغيت هذه الخاصية منذ سنوات عديدة ومن الواضح أن يوتيوب يريد من الناس إعادة تفعيلها ولذلك لا يعرض شيء في الصفحة الرئيسية ويعرض رسالة تنبيه تخبرهم بأن عليهم تفعيل خاصية تاريخ التصفح ويوفر زر لتغيير الإعدادات.
بالنسبة لي هذا تغيير إيجابي، صفحة رئيسية خالية وهذا ما أريده، ومن بحث سريع يبدو أن يوتيوب بدأت في عرض هذه الصفحة الخالية لبعض المستخدمين قبل عامين، التغيير الثاني قد يجعلني … أو بالأحرى سيجعلني أتوقف عن مشاهدة يوتيوب، فقد بدأ الموقع في تحذير مستخدمي إضافات منع الإعلانات وتذكيرهم بأن استخدامها يعتبر مخالفة لشروط استخدام الموقع وبعد التحذير سيمنعهم من استخدام الموقع، وأنا شخص أستخدم مانع الإعلانات منذ عرفت وجوده، لن أستخدم متصفح بدونه ولن أزور موقعاً بدونه حتى يوتويب الذي يحتكر سوق مقاطع الفيديو، أعلم أن هناك مواقع عدة لكنها لا تحوي المحتوى الذي أشاهده.
عاجلاً أو آجلاً سيخبرني يوتيوب بأن علي إيقاف استخدام مانع الإعلانات ويعرض علي بديل وهو الاشتراك في خدمة الموقع لوقف عرض الإعلانات، وسأكون صريحاً: ليس لدي ما يكفي من المال لدفع اشتراكات مختلفة، أهم اشتراك أدفعه هو لخدمة فليكر وهو مرتفع السعر وبالكاد أستطيع دفعه، ثم المدونة وعنوانها، وبعد ذلك كل شيء آخر اعتبره اختياري وغير ضروري وهذا يشمل يوتيوب ولا أشترك في أي خدمة، الإعلانات كانت سبباً رئيسياً لتوقفي عن مشاهدة التلفاز ولن أعود لمشاهدتها.
غوغل بإمكانها أن تبحث عن وسيلة لكي تجعل الإعلانات أقل إزعاجاً لكن هذا لن يحدث بل ستجبر الناس على إيقاف استخدام مانعات الإعلانات وهي تعمل جاهدة على تغيير متصفحها لكي تمنع هذه الإضافات من العمل ومن متجرها، تذكر أن غوغل شركة إعلانات ولذلك من الطبيعي أن يحاربوا أي وسيلة لمنع عرض الإعلانات.
في ماستودون تمنيت لو أن الناس يعودون لصنع المحتوى المكتوب لأن أغلب ما يعرض في يوتيوب لا يحتاج للفيديو ويمكن تحويله بسهولة إلى مقال مع صور، أعلم أن أمنيتي هذه لن تحدث ولن أستطيع إقناع أحد أن النص أفضل، هناك من يريد أن يجعل يوتيوب وظيفته وهناك من يريد أن يذهب حيث يمكن أن يجد الجمهور والمشاهدون يفضلون المشاهدة على القراءة.
نقطة أخرى مهمة: عندما يدفع الناس مقابل خدمة ويجدون خدمة سيئة مقارنة بالقرصنة؛ سيتجه الناس للقرصنة.
الناس يتعلمون من بعضهم البعض بالمشاهدة والمحاكاة، يمكنك أن تتعلم الكثير بأن تشاهد الآخرين يعملون، هذا يعيدني للمدرسة وواحدة من الذكريات التي لن تفارقني، في الثانوية كانت هناك حصص تربية عسكرية وقد كان اللباس العسكري إلزامياً في يوم الحصص العسكرية، في تلك الأيام وصلت كراهيتي للمدرسة لأعلى مستوياتها ولم أعد أرغب في الذهاب لها لذلك كنت أتغيب كثيراً وتغيبت عن حصص عسكرية كثيرة، بعد غياب لأيام عدت للمدرسة في يوم الحصص العسكرية وفهمت من المدرب أن الطلاب تعلموا فك وتركيب السلاح (M16) في الحصة السابقة ويريد اختبارهم هذه الحصة، أنا في ورطة!
ما فعلته هو مشاهدة الآخرين بانتباه تام وتقليدهم، عندما جاء دوري استطعت فك وتركيب السلاح بلا مشكلة وبسرعة، أتذكر هذا الحدث الصغير كلما فكرت في موضوع التعليم، التعليم الرسمي يعتمد كثيراً على التلقين سواء بالاستماع للمدرس أو قراءة الكتب في حين أن التعلم بمشاهدة الآخرين محدود أو معدوم.
واحدة من قنوات الفيديو التي سأفتقدها هي قناة التقنيات البدائية، صاحب القناة مشهور بأنه لا يتحدث ولا يشرح أي شيء بل يفعل ويعرض، ما يفعله هو محاولة صنع أشياء من الماضي بأدوات من الماضي وهذا يعني أن عليه صنع الأدوات بنفسه بما هو متوفر في البيئة لديه وهي بيئة غنية بالأشجار والماء والتربة الغنية التي سمحت له بأن يبني عدة مباني ويصنع فخاريات مختلفة وأفران والطوب وأدوات مختلفة، يمكن للمشاهد تعلم كل هذا بمجرد مشاهدة شخص يفعل ذلك في مقاطع فيديو هادئة، لا موسيقى، لا مؤثرات بصرية أو صوتية، لا مقدمات ولا شخص يكرر عليك بأن تضغط على زر الإعجاب وتشترك في القناة.
تذكرت هذه القناة اليوم عندما وصلت لموقع يحمل نفس الاسم، الموقع جعلني أتسائل ما الذي يجذب الناس للتقنيات البدائية؟ ولا أحب تسميتها بالبدائية لكن هذه هي الكلمة المستخدمة بالإنجليزية (primitive) لكن الناس الذين يجعلون هذه التقنيات هوايتهم أو حتى مصدراً لأرزاقهم يستخدمون تقنيات ما قبل الثورة الصناعية وهذا يشمل تقنيات القرون الوسطى التي لا أراها بدائية، لكنها أسهل للفرد من ناحية الفهم ومن ناحية إمكانية صنعها اليوم وهذا ما يجعلها جذابة للبعض، لأن الفرد بإمكانه صنع قوس وسهم، أو معول أو فخاريات مختلفة باستخدام المواد المتوفرة في بيئته، لكنه لن يستطيع صنع التقنيات المتقدمة اليوم التي تحتاج للكثير من المعرفة المتخصصة في مجالات عدة لصنعها.
جزء آخر من جاذبية التقنيات القديمة أن البعض يؤمن حقاً بأننا سنضطر للعودة لها عاجلاً أو آجلاً ولذلك من الأفضل إعادة تعلمها واستخدامها ودمجها مع تقنيات التصنيع الحديثة، هكذا نجمع بين بساطة الماضي ودقة اليوم، أحدهم هو كاتب موقع Low Tech Magazine الذي يرى في تقنيات الماضية فعالية أعلى وقد كتب عن ذلك كثيراً وبالأدلة، ما يدعو له ليس التخلي عن كل شيء حديث واعتناق كل شيء قديم بل دمج الجيد من التقنيات القديمة والحديثة وتفضيل ما هو أبسط على التعقيد.
التقنيات القديمة تعطينا إحساساً بإمكانية التحكم بها واستخدامها كما نشاء في حين أن التقنيات الحديثة تكون خارج نطاق السيطرة، ما تفعله الشركات التقنية وغير التقنية يمكن الاحتجاج عليه لكنها ستفرض إرادتها على المجتمعات مقابل الربح بغض النظر عن الأذى الذي تتسبب به، وما تفعله غوغل في يوتيوب مثال بسيط، لكن ما يفعله كاتب مجلة Low Tech (أريد ترجمة لهذا المصطلح) يعطيني أملاً بأن هناك محتوى مكتوب جيد يكفيني، وحتى صاحب قناة التقنيات البدائية كتب كتاباً عن تجربته، لذلك أتمنى من يوتيوب أن يدفعني للتوقف عن مشاهدته في أقرب وقت، المحتوى المكتوب أفضل وأبسط.
العدد: 














