عدنا بكيس بطاطا على الأقل

في الميناء

ألعاب الفيديو تحاكي الحياة، في كثير من ألعاب الفيديو هناك نمط يتكرر، إن كانت هناك قصة وأنت تلعب دور بطلها ستبدأ من نقطة ما تخبرك بأن عليك إنقاذ العالم، لكن هذه المهمة الأسطورية ليست سهلة لأن عليك فعل ثلاث أو أربع مهمات كبيرة وهذه بدورها ليست سهلة لأن عليك إنجاز خمس إلى عشر مهمات متوسطة الحجم، وكل عمل متوسط الحجم يتطلب إنجاز على الأقل عشر مهمات صغيرة، هكذا تجعلك اللعبة مشغولاً بفعل أمور صغيرة حتى تنجز المهمة الأسطورية.

بعض الألعاب تخبرك بأن العالم في خطر وعليك إنقاذه، لكن أولاً نظف حظيرة البقر، ثم أحمل الأعلاف من هناك وضعها أمام البقر … ولم لا تغني للبقر قليلاً وترقص؟! وبعد ذلك ترسلك في مهام لحمل أشياء من مدينة لأخرى أو لجلب شيء ما من مكان بعيد، هل أنت فعلاً بطل أم عامل في مزرعة؟ ولست أقول أن هناك مشكلة في العمل الزراعي لكن اللعبة يفترض أن تحدد ما إذا كانت تريدني أن أزرع أو أنقذ العالم.

اليوم خرجت لإنجاز معاملة وقد بدت لي كمهمة في لعبة فيديو، الهدف هو إنجاز معاملة تجديد رخصة قارب، يبدو الأمر سهلاً لكن هناك تعقيدات، بعضها معروف وبعضها غير متوقع، كان علي أولاً أن أضع مبلغاً مالياً في حسابي لأن الدفع بالنقود أصبح شيئاً من الماضي في المؤسسات الحكومية (للأسف) وقد نسيت فعل ذلك، وهناك ورقة يجب علي إحضارها لكن لإنجازها سأحتاج للكثير من العمل والوقت، ذهبت وأنا على أمل بأنني أستطيع إقناعهم بعدم منطقية طلب هذه الورقة لأن الحاجة لها انتهت قبل سنوات والتجديد يمكن أن ينجز بدونها.

لكن أدرك أن منطق المؤسسات يختلف عن منطق الأفراد، ما هو غير منطقي للأفراد تراه المؤسسات منطقياً جداً وبديهي مثل واحد زائد واحد يساوي اثنان، ذهبت إلى الميناء حيث تقع المؤسسة هناك وفي الطريق توقفنا عند سوق الخضار والفواكه لشراء كيس بطاطا للمنزل، ثم أكملنا السير نحو المؤسسة، عند باب المؤسسة تذكرت أنني لم أودع المال في حسابي فعدت للسيارة وذهبت لمقر المصرف في الكورنيش ووضعت المال في الآلة التي أخبرتني أن حسابي الآن أصبح غنياً … بعض الشيء.

عدنا للميناء، لدي الآن كل شيء وكل ما علي فعله هو الجدال حتى أقنعهم بأنه من الأسهل إنجاز المعاملة الآن بدلاً من تأخيرها، الأوراق معي، النقود في المصرف، أنا أضع الكمام على وجهي، مشيت بكل ثقة نحو باب المؤسسة ولأنني أمارس المشي منذ أيام وجدتني أعود لطريقة مشي القديمة، أمشي بسرعة وبخطوات طويلة كأنما أحاول إمساك الوقت، بعد باب المؤسسة مباشرة إلى اليسار هناك آلة أرقام الإنتظار وعليها شاشة لمس بزرين أحدهما يقول عربي والثاني يقول إنجليش، مشيت خطوتين ومددت يدي نحو زر العربي لألاحظ المرأة التي تجلس إلى مكتب صغير خلف الآلة، سألتني إن أجريت فحص الكوفيد ولا يمكنني الدخول إلا بهذا الفحص.

قلت لا، فطلبت مني العودة بعد الفحص.

حسناً سأفحص، هناك مركز فحص على الجانب الآخر من الكورنيش

عند مركز فحص الكوفيد

توقفنا خلف السيارات وجاء دورنا، الرجل يلبس قبعة ونظارات شمسية وسترة بلون أصفر فاقع، مددت يدي ببطاقة الهوية فسألني إن كان لدي موعد، قلت لا، ظننت أن الأمر لا يحتاج لموعد كما أذكر، سألته من أين أحجز موعداً فأخبرني أن أنزل تطبيقاً لذلك وأعود بعد الحجز.

أود الحديث عن التعقيد وعن التبسيط على مستوى المؤسسات لكن لا فائدة، كلامي حتى لو كان صحيحاً ومنطقياً ويوافق عليه الجميع فصوتي لن يصل إلى من يعنيه الأمر، كل ما يمكنني فعله هو أن أحجز موعداً وأذهب للمؤسسة بعد أن تظهر النتيجة ثم علي توقع ألا أنجز المعاملة لأنني لم أحضر تلك الورقة غير المنطقية في رأيي والمصيرية في رأيهم.

عدنا للمنزل بلا فائدة سوى كيس البطاطا 🥔

4 أفكار على ”عدنا بكيس بطاطا على الأقل

  1. >> فصوتي لن يصل إلى من يعنيه الأمر
    هذا هو جوهر اﻷزمة ملخصة في تلك العبارة
    للأسف مهما تحولت المؤسسات الحكومية إلى حوسبة فذلك لا يخدم شيء، البروغراطية والتعقيد مُرسخ فيهم ليس من السهولة أن يتخلوا عنه

    إعجاب

    • في الماضي كان بإمكاني إرسال مثل هذا الموضوع لجريدة الاتحاد وسينشر وقد يصل لمن يعنيه الأمر، هذا الآن لم يعد يحدث، صحفنا توقفت عن نشر مواضيع الناس، هناك برنامج إذاعي كان يوصل شكاوي الناس إلى المؤسسات لكن في سنوات مضت توقفت عن سماعه بعدما بدأ يكرر أحد المذيعين اتهامه للمستمعين أنهم المخطئين بدلاً من بحث الأمر مع المؤسسات.

      إعجاب

  2. مشكلة حقيقية، هذا و الأمر في البلد سالك و بخير، و نسبيًا يمكننا القول أن تجديد الرخصة أمر يمكن تأجيله قليلًا أو الصبر على تأخره، أما بالنسبة لنا هنا، قبل سنة تقريبًا أو أكثر أردنا استخراج جوازات و بطائق شخصية و مع أن لا أحد يعير كورونا اهتمام، و لا أحد يأبه إن كانت النقود في المصرف أو كاش، فإن المعاملة حتى الآن لم تُنجَز، الحضور لأخذ الصور فحسب كان يوميًا لما يقارب اسبوع، و الدفع في كل مكتب، و في النهاية سقطت ملفاتنا في الارشيف بصمت، يأسنا…
    حقيقةً، عندما أفكر بالمحتاجين للجواز بصورة سريعة أو البطاقة فكيف سيكون حالهم هكذا؟
    و هذا يوضح أهمية التبسيط حتى مع التقدم في التقنيات و التعامل مع المؤسسات بشكل عام، فلا تفريط مثلنا، و إلا افراط مثل ما يحدث في البلدان المتقدمة و الآمنة أدام الله عليها الأمن، و بالصحة و العافية من أجل البطاطا، قصة الرحلة مثيرة للأعصاب قليلًا، و لكن لا بأس بتعداد كيس البطاطا كإنجاز لا يُنكَر!😅

    إعجاب

    • المؤسسات الحكومية تنسى أن الهدف منها هو خدمة المواطن وتتغير ليصبح هدفها حماية نفسها من المسؤولية تجاه المواطن، ستقدم الخدمات لكن التعقيد والبيروقراطية هدفها حماية المؤسسة من الناس ومن حتى موظفيها.

      ونعم، البطاطا شهية ولن أنكر أنني أحب تناولها مع حساء العدس 😅

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.