
بالأمس خرجت إلى مول “قريب” يبعد عن المنزل مسافة 20 دقيقة بالسيارة وهو دلما مول، زرت هذا المكان مرة في الماضي وفي الليل للذهاب لمكتب اتصالات هناك لحل مشكلة خط الإنترنت في المنزل، نزلت من السيارة ودخلت المول ومتجر اتصالات كان أمامي مباشرة، لاحظت كيف أن المول طويل حقاً لكن لم يكن هناك وقت للتفرج.
بالأمس خرجت في الصباح ورأيت حجم المبنى من بعيد وهو كبير حقاً وطويل، وخلفه مبنى آخر بنفس الحجم لمواقف السيارات وبطوابق عدة، ولأنني لا أعرف أين المحل الذي أريد زيارته وقفنا عند طرف المول وخرجنا من مبنى المواقف إلى مبنى المول وهناك بوابة فوقها إعلان:
لن نرتاح من الإعلانات كما يبدو، هذه الضوضاء البصرية تحتل كل مساحة ممكنة في الأماكن العامة والخاصة وهذا مكان خاص، المول معبد الاستهلاكية وكلما زاد حجمه زاد استيائي منه وهذا واحد كبير حقاً، المسافة من طرف لآخر تأخذ عشرين دقيقة مشي وإن كان هذا كل ما تريد فعله فهذا مكان مناسب لرياضة المشي في الصيف، شخصياً شعرت بالاغتراب لأن هذا مكان لا ينتمي له أحد ولا يساعد على تواصل الناس أو تشكيل علاقات بين الساكنين حوله، موقع المول يقول بأنه وضع في مكان استراتيجي ليلبي حاجات مناطق سكنية تزداد نمواً وهي مناطق على بعد 10 إلى 40 دقيقة، حجمه الكبير يبدو منطقياً هنا.
ما يزيد استيائي منه هو حقيقة أن هذه المناطق السكنية هي بالفعل مناطق سكنية فقط، ليس هناك نشاط تجاري إلا استثناءات قليلة، ليس هناك محلات تجارية أو مقهى يمكن المشي له، حتى المساجد توضع على مسافات متباعدة وأقربها يحتاج لربع ساعة مشي وهذا يعني استخدام السيارة في أوقات الحر، واستخدامها في كل وقت آخر لفعل أي شيء آخر، هذه المناطق خطط لها قبل وقت طويل (أخمن عشرين عاماً) وكنت في ذلك الوقت أكتب عن هذه المشكلة ولا زالت المشكلة كما هي، الناس بحاجة لتنوع في الأنشطة وبالقرب منهم.
لذلك لا عجب أن تكون المولات الكبيرة لها وجود هنا فهناك مساحة ومناطق سكنية يزداد عدد ساكنيها، أسلوب التخطيط هذا يعتمد على وجود السيارات والاعتماد عليها وبغض النظر عن الوقود الذي تستخدمه السيارة سواء كان البترول أو الكهرباء؛ يبقى هذا التخطيط مشكلة لأنه يقسم النشاط البشري إلى مناطق محددة سكنية وتجارية ويجعل المناطق ذات استخدام واحد ويضطر الناس للاعتماد كلياً على السيارات لممارسة حياتهم اليومية.
ممر للمول يمتد إلى الأفق من هنا لا يمكنك رؤية آخر المول وتحتاج للمشي، كنت أبحث عن محل أحذية كان في مول آخر في أبوظبي وهو الخالدية مول، مكان يسعدني زيارته! لأن الخالدية مول مكان صغير يمكن للفرد التجول فيه كله خلال أقل من ساعة بينما دلما مول يحتاج لثلاث ساعات على الأقل، هناك ثلاث طوابق من المحلات.
شيء آخر يجعلني أفضل الخالدية مول هو قربه من المنزل القديم فهو على بعد خمس دقائق تقريباً بالسيارة، وفي الجو البارد يمكن المشي منه إلى المنزل.
العالم يتنافس على بناء الأكبر والأطول، ابحث عن أكبر مول في العالم وستجد قوائم تشير إلى الصين وتايلاند والفلبين، كذلك دبي وتركيا وإيران! لم أكن أعرف أن طهران فيها واحد من أكبر المولات في العالم، هذه الأماكن لا تثير إعجابي بل استيائي لأنني أفضل الأصغر والأقرب وأفضل اللامركزية في الأنشطة التجارية والاجتماعية، ويبدو أنني سأفارق الدنيا قبل أن أرى التغيير الذي أريده … هذا أو أذهب للعيش في مكان آخر.










