ألف قناة لكل ذوق

كنت أفكر بالأمر قبل النوم وأعلم أنها فكرة غير منطقية ولن يقبلها إلا القليل من الناس وحتى من يوافق عليها سيدرك أنه فكرة إما صعبة جداً أو مستحيلة، في الصباح ذهبت إلى غرفة المعيشة لأشغل التلفاز وأرى كم قناة يحويها ووجدت أكثر من ألف ومئتي قناة، وأظن أنني لو بحثت عن قنوات جديدة سيصل الرقم إلى أكثر من ذلك، بوجود هذا العدد من القنوات هناك خيار مناسب لكل شخص، بل خيارات كثيرة وإن لم يعجبك واحد منها فيمكنك الانتقال لمئة أخرى.

لكن نحن نعلم من مفارقة الاختيار أن ازدياد الخيارات  يجعل الناس أقل سعادة وحتى لو كانوا يعرفون ماذا يريدون من خيارات سيبقى هناك جزء من أذهانهم يفكر بكل الخيارات الأخرى التي كان بإمكانهم تجربتها، هذا يجعلهم غير راضين بما اختاروه، يرون أنهم يضيعون فرصاً بعدم اختيارهم لها، لكن الناس لديهم حدود لما يمكنهم فعله، الوقت محدود ومع ذلك نريد أن نعيش خمس أيام في يوم واحد.

لا عجب أن ينادي البعض بالتبسيط كحل لمشاكل المجتمعات الحديثة، يرددون فكرة تقليص الاختيارات وتقليص الممتلكات والتركيز على القليل والرضى به والرضى بأن كل شيء آخر لن تختاره هو ليس فرصة ضائعة بل حقيقة يجب عليك التعايش معها، ركز على القليل لكي تكون سعيداً ولكي تحقق ما تريد وعش يومك بحدوده التي لا تزيد عن أربع وعشرين ساعة.

تصور معي أنك شغلت التلفاز ووجدت أن عدد القنوات تقلص إلى خمس قنوات فقط وهي قنواتك المفضلة، هل ستقبل ذلك؟ تصور أن قنوات التلفاز توقفت عن البث دون توقف وقررت أن يكون لها وقت افتتاح ووقت ختام، هل تظن أن ذلك سيكون تغييراً إيجابياً؟

مشكلة ما يسمى بالتقدم أو التطور أنه يجعل البعض يظن أنه سير إلى الأمام دون توقف وأي محاولة للتوقف أو حتى للعودة توصف بأنها تخلف ورجعية، لذلك فكرة أن نقلص من عدد قنوات التلفاز ونقلص ساعات البث ستكون للبعض ليس فقط فكرة سخيفة بل فكرة متخلفة ومستحيلة، التطور يعني دائماً ألا نعود لما كنا عليه في حين أن الشخص الحكيم لن يقيد نفسه بمثل هذه القيود.

إن شعر الفرد بتحسن مستوى حياته بعد عملية تبسيطها فما الذي يمنع من حدوث نفس الشيء على مستوى المجتمع؟ بالطبع التغيير على مستوى المجتمع صعب ويحتاج لوقت طويل، لذلك كتب التبسيط وكل ما يكتب عن هذا الموضوع تتحدث للأفراد لأن الفرد بإمكانه أن يختار ويغير حياته كما يريد، يمكن للفرد أن يتوقف عن مشاهدة التلفاز كأحد الحلول وهذا ما سيقترحه البعض لمشكلة القنوات العديدة.

مع ذلك أعود للمجتمع نفسه، وجود عدد خيارات هائل ليس في صالح أحد، وسيكون من مصلحة المجتمعات أن تعيد التفكير بما هو مألوف ومتوقع، ليس هناك شيء يفرض علينا أن نبقي كل شيء يعمل، قنوات التلفاز يمكنها أن تتوقف عن البث، العالم كان بخير قبل أن تبدأ البث وسيكون بخير بعد أن تتوقف.

8 دروس من مشروع كتابة الرواية

إن كنت تتابع المدونة ستلاحظ أنني لم أكتب تحديثاً عن كتابة الرواية لبضعة أيام، لأنني توقفت عن الكتابة، توقعت أن أواجه صعوبة بعد أسبوعين من البداية وهذا ما حدث بالضبط، ما لم أتوقعه هو أن الصعوبة كانت أكبر مما تخيلتها، ولا بأس بذلك، مجرد مشاركتي لأسبوعين كان كافياً ليعطيني فكرة عن الجهد الذي تتطلبه الروايات أو الكتب وعن أهمية التخطيط للكتابة.

ما الذي تعلمته من هذه التجربة؟

أصعب وأهم شيء في الكتابة هو الكتابة، بإمكانك أن تخطط لما تكتبه وتكتب أدق التفاصيل في هذه الخطة وتجمع مصادر مختلفة وتقرأها وتجدد خططك وتجعلها شاملة لكل شيء من البداية وحتى النهاية، يبقى أن الخطة ليست الكتاب، لكي تحصل على الكتاب عليك أن تكتب، هذا يبدو بديهياً وكشخص يكتب المقالات منذ كنت في السادسة عشر من عمري يفترض أنني أدرك ذلك، لكن الآن فقط فهمت ما يعنيه هذا، هناك فرق بين كتابة مقال من 1500 كلمة وكتابة أكثر من 23 ألف كلمة.

أثناء الكتابة قد تتغير الخطة، هذا كان واحد من أمتع الأشياء التي جربتها أثناء الكتابة، ظهور أحداث وشخصيات لم أفكر بها من قبل لكن القصة تتطلب وجود هذه الشخصيات، كذلك الحال مع كتابة المقالات، حتى ما أخطط له من مقالات يتغير قليلاً أثناء الكتابة لأنني أدرك بأن هناك تفاصيل علي أن أكتبها ولم أخطط لها، لذلك لا بأس إن لم تلتزم بالخطة كما هي، التغيير قد يكون في صالح ما تعمل عليه.

التخطيط مهم حقاً، بديهية أخرى، هناك أناس يستعدون لشهر الكتابة بدء من الصيف ويضعون مخططاً كاملاً للقصة يشمل الأماكن والشخصيات وأسماء الشخصيات وعلاقة كل شخص بآخر وأحداث الرواية، هكذا يصلون لشهر الكتابة وهم يعرفون ما الذي سيكتبونه، شخصياً لم أفعل ذلك واعتمدت على قدرتي في أن آتي بتفاصيل حسب الطلب، وقد كان هذا ممتعاً في البداية ثم بدأت أعاني من عدم قدرتي على أن أخرج بفكر جيدة، لا أود أن أكتب سخافة، هناك حد أدنى من الجودة أريد تحقيقه، يمكنني كتابة كلام سخيف تماماً ولن يعرف ذلك أي شخص، لكن إن فعلت ذلك فأنا أخدع نفسي.

وقت الكتابة المناسب هو في الصباح وفي الليل، بعد الاستيقاظ وقبل شروق الشمس هذا ليس وقت كتابة وقد جربت ذلك مرات عدة، العقل يحتاج لتسخين تماماً كما تحتاج العضلات لتسخين قبل ممارسة الرياضة، وجدت كذلك أن الليل مناسب أيضاً بل وجدته مناسباً أكثر من الصباح لكنه مشكلة إن كان عليك تحقيق عدد محدد من الكلمات قبل وقت محدد، تصبح عملية الكتابة مثيرة للسخط والقلق.

يجب ألا تمارس التحرير والتصحيح أثناء الكتابة، لن تتوقف عن الكتابة إن فعلت ذلك ولن تنجز شيئاً، الفصل بين الكتابة والتحرير أمر مهم حقاً، أكتب أول مسودة ثم صحح الأخطاء وغير الجمل حسب الحاجة، هذا أمر أدركه قبل أن أبدأ هذا المشروع لكن لا أمارسه أثناء كتابة المقالات، لذلك علي تطبيق هذا المبدأ لأنه يوفر الوقت.

تجربة الأشياء تجعلك تدرك ما الذي تحبه أو لا تحبه، لوقت طويل ظننت أنني أريد كتابة القصص وتخيلت قصصاً عديدة أود كتابتها، ما إن بدأت في هذا المشروع حتى أدركت أن ما أستمتع به هو صنع العالم الخيالي للقصة وليس القصة نفسها، القصص وسيلتي لإنشاء العالم، الكتابة أسهل بالنسبة لي من الرسم لكن الرسم مناسب أكثر لإنشاء العالم، لكن علي أولاً تعلم الرسم.

إن كنت ممن يواجهون مشكلة اختيار ما عليهم فعله في المستقبل فعليك أن تجرب الأشياء لتعرف ما الذي تريده، التفكير فيها لا يكفي، التجربة ستخبرك إن كان هذا الشيء أو ذاك هو حقاً ما تحبه، وأياً كان ما تريده فعليك أن تدرك بأنه يأتي مع أشياء لن تعجبك، السؤال هنا: هل يمكنك تحمل الجانب الذي لا تحبه لكي تمارس ما تحب؟

أحياناً لا تود فعل ذلك الشيء الذي يجب فعله، بدلاً من التوقف التام جرب أن تفعل شيئاً صغيراً، مثلاً في الأيام التي وجدت فيها صعوبة للكتابة كنت أكتب على الأقل خمسمائة كلمة، المشكلة أن تصبح هذه الأيام هي كل ما تواجهه، يمكنني كتابة 500 كلمة يومياً لكن هذا سيتطلب أكثر من شهر إضافي لكي أصل إلى 50 ألف كلمة ولا أود فعل ذلك، لدي الكثير لأكتب عنه في المدونة ومشروع الرواية أخذ كل وقتي، لذلك قررت التوقف.

تقسيم العمل الكبير لأجزاء صغيرة يجعله سهلاً، بديهية أخرى، جربت تقسيم العمل إلى خمسمائة كلمة أكتبها في الجلسة الواحدة وهذا عدد صغير، وبإضافة مثلها يصبح لدي ألف كلمة، ثم ألفي كلمة، وصلت في يوم ما إلى 3500 كلمة وهذا أكبر عدد من الكلمات كتبته في يوم واحد، لو كنت متفرغاً تماماً للرواية ولم أفعل أي شيء آخر أخمن بأنني أستطيع كتابة عشرة آلاف كلمة في اليوم باستخدام هذا الأسلوب.

في العام المقبل سأشارك مرة أخرى على أن أعد وأخطط جيداً لما سأكتبه لكي لا أصل إلى منتصف الطريق وأتوه ثم أتوقف، أما ما كتبته خلال الأسبوعين الماضيين سيبقى حتى آخر هذا العام، سأقرأه ثم أحذفه، أعلم أن لدي فكرة جيدة لعالم الرواية نفسها ولبعض شخصياتها وهذه أحفظها لكن القصة نفسه؟ تحتاج لتحسينات كثيرة مثل أن يكون لها هدف وخطة ونهاية.

اليوم الخامس عشر: منتصف الطريق

كنت أريد فعل ذلك بالأمس لكن الصداع لم يفارقني بالأمس وبالكاد استطعت كتابة شيء، لكن اليوم كان التعويض، 3505 كلمة في يوم واحد، أظن أن هذا أكبر قدر من الكلمات أكتبها في أي يوم، حتى مقالاتي الطويلة لا تتجاوز ألفي كلمة، سأرى إن كان بالإمكان تجاوز هذا الرقم لأرى كم يمكنني حقاً كتابته في يوم واحد، أسلوب كتابة 500 كلمة في كل جلسة مناسب حقاً وساعدني كثيراً.

تقسيم العمل الكبير لقطع صغيرة، هذا يبدو بديهياً عندما تقرأ مثل هذه النصيحة، لكن التطبيق يجعلني أفهمها أكثر.

اليوم الثالث عشر: 500 كلمة في كل مرة

اليوم رأيت أن أجرب شيئاً، بدلاً من محاولة كتابة الكثير في كل جلسة أكتب فقط 500 كلمة، العدد ليس بالكبير ويمكن تحقيقه بسهولة وهذا ما حدث، بعد إنجاز ذلك أتوقف عن الكتابة لفترة قصيرة ثم أعود لكتابة 500 كلمة أخرى، كررت ذلك حتى وصلت بسهولة إلى 2511 كلمة اليوم، هذا أكثر من أي وقت آخر ويدفعني لمحاولة الوصول لعدد أكبر غداً.

المشاركة في هذه المسابقة تجعلني أفكر أكثر في عملية الكتابة نفسها، شيء أعترف أنني لم أمارسه في الماضي كثيراً.

اليوم الحادي عشر: 1888 كلمة

لم أكتب تحديثاً بالأمس، لأنني كتبت بضعة مئات من الكلمات ولم يكن لدي شيء أقوله، اليوم كتبت 1888 ولدي شيء أقوله … ربما! من الواضح أن عدم الإعداد للقصة يجعل من الصعب كتابتها، وما كان ممتعاً في الأيام الأولى ويجعلني أستكشف أين ستذهب القصة أصبح الآن متعباً لأن علي أن آتي بفكرة جديدة في كل لحظة ولا أدري أين ستذهب القصة.

بدأت كذلك أتسائل إن كانت الروايات بحاجة لنهاية، كثير مما قرأته من الروايات فيها نهايات كبيرة، موت شخصية أو اكتشاف من هو القاتل أو الوصول إلى هدف ما، في حين أن ما أكتبه يبدو عادياً جداً وأقصى ما قد يحدث هو أن ينتقل شخص من العيش في مدينة لمكان آخر، هل هذا يكفي لكي يشد انتباه القارئ؟ أياً كان، علي فقط أن أكتب وأصل إلى 50 ألف كلمة في نهاية الشهر، لكن لا يمكنني التوقف عن التفكير في الأمر.

غداً بإذن الله موضوع روابط … كالذي كنت أنشره كل أسبوع في الماضي.

اليوم التاسع: في الليل أفضل؟

قلت سابقاً أنني أفضل العمل في الصباح لكن لا يمنع هذا من تجربة الكتابة في المساء كذلك، ويبدو أن كتابة الرواية في المساء أفضل، لا أدري لماذا، في الصباح يمكنني كتابة مقالات لكن الرواية نفسها أجد فيها صعوبة، في المساء لا أجد نفس الصعوبة وليس لدي تفسير، هل العمل الإبداعي عموماً أفضل في المساء؟ قرأت شيئاً عن هذا وقد يكون صحيحاً.

اليوم حاولت تعويض ما لم أكتبه بالأمس واستطعت تحقيق معظم ذلك، غداً بحاجة لكتابة مئتي كلمة إضافية فقط ولن يكون هذا صعباً إن شاء الله.

اليوم الثامن: لا أرغب في الكتابة

منذ الصباح وأنا أصارع نفسي لكي أكتب في الرواية، ليس لدي رغبة في فعل ذلك، لذلك جربت أن أكتب موضوعاً للمدونة وقد فعلت ذلك بسهولة فلم إذاً لا أريد أن أكتب للرواية؟ لا أدري، لو كنت أعرف الإجابة لربما استطعت أن أحرك نفسي أكثر، مع ذلك لا أود أن يمضي اليوم بدون أن أكتب شيء، لذلك قررت أن أكتب خمسمائة كلمة على الأقل وقد فعلت.

هذا يشبه كثيراً ما كنت أشعر به في الماضي عند ممارسة التمارين، اليوم الأول سهل والثاني أقل سهولة ثم بعد أيام أجد نفسي أسأل ما الفائدة؟ لا أرى نتيجة والتمرين يحتاج لأشهر لكي يعطي الفرد نتيجة ما، أتوقف ليوم ثم يجره معه يوماً آخر وهكذا تبدأ السلسلة التي لا تنقطع، التوقف عن فعل شيء أسهل بكثير من الاستمرار في فعله والعودة لفعل شيء بعد أيام عدة من التوقف يكون صعباً حقاً.

تعلمت الدرس بألا أتوقف، كل يوم يجب أن أفعل شيئاً ولو كان قليلاً، هذا خير من عدم فعل شيء.

اليوم السابع: 10 آلاف كلمة

اليوم تجاوزت 10 آلاف كلمة وأدركت أن أصعب ما في الكتابة هي الكتابة، عدم توفر الأداة الأنسب أو الكاملة ليس مشكلة، هناك دائماً أداة مناسبة للكتابة، قد لا تحقق 100% من تصورك لكنها تحقق معظمه ويمكنك استخدامها، قد تعمل على إلغاء أي نوع من التشويش والملهيات في محيطك وفي حاسوبك، قد تعد مكاناً خاصاً للكتابة أو تذهب لمقهى لفعل ذلك، في النهاية أهم ما تفعله لكي تكتب هو أن تكتب.

اليوم بدأت مسار آخر للقصة وظننت أنني سأجعل شخصية مأساوية تحرك القصة في اتجاه محدد لكن مع الكتابة رأيت كمية الحزن في قصته أكثر مما يطيقه أي إنسان ولم أجد قدرة على أن أكمل القصة كما خططت لها، في النهاية جعلته يبدأ مساراً يجعله لأول مرة يشعر بالسعادة.

قرأت عن قصص كتّاب الروايات وكيف أن بعضهم يتأثر كثيراً بما يكتبون، كأن يبكي أحدهم لأنه قتل شخصية في القصة، يبكي لشخصية خيالية من صنعه، كان شيئاً غريباً والآن أفهمه تماماً.

اليوم السادس: التعويض

بالأمس لم أكمل العدد المحدد من الكلمات لذلك رأيت اليوم أن أعوض ذلك وكتبت أكثر من 2000 كلمة، ما بدأت أدركه أن ما يعجبني في كتابة القصص ليس القصص نفسها بل صنع العالم الذي تعيش فيه شخصيات القصة، هناك أناس هوايتهم صنع عوالم خيالية، ربما من الأجدى لي أو من الممتع أكثر أن أركز على عملية تصميم وإنشاء العالم بدلاً من كتابة القصة، لكن لن أفعل ذلك الآن، أنا مستمر في الكتابة طوال الشهر كما خططت.

كذلك بدأت أفكر جدياً في تكرار المشاركة في هذه المسابقة في العام المقبل على أساس أن أعد لها قبل أشهر، لو كانت لدي خطة محددة وفكرة عن مسار القصة وشخصياتها والأماكن وبحثت في كل هذه المواضيع وغيرها؛ لو فعلت ذلك وأعددت مخططاً متكاملاً للقصة فربما سيكون لدي ما أكتب عنه كل يوم، كما ذكرت سابقاً أنا بدأت الكتابة دون أي تخطيط، لدي فكرة عامة وأنا أكتشف أين تذهب بي القصة وهذا ممتع بلا شك، لكن مع الأيام أعلم أنني بحاجة لخطة ما.