جنود من البلاستك

46913404191_928cfc30df_c
مصدر: Marco Verch

أذكر البقالات القديمة حول منزلنا، كان هناك ثلاث منها وكل واحد منها متميزة عن الأخريات ومع ذلك كلها تبدو متشابهة، كمقاهي اليوم التي تقدم لك قهوة عالية الجودة ومن الصعب أن تعرف أيها يقدم قهوة أفضل لكن كل مقهى له ذوق خاص وأنت في الغالب تفضل واحداً منها لأن المكان والناس أكثر أهمية من القهوة، الحديث عن المقاهي يبدو اليوم يبدو لي نوعاً من الشقاء لأنني لا أستطيع الخروج والجلوس في واحد لكي أقضي بعض الوقت في سلام، ما زلنا نعيش في عصر الكورونا والذي يبدو أنه سيبقى معنى ما دام أن بعض حكومات العالم قررت التخلي عن مسؤولياتها.

على أي حال، عودة للبقالات، كانت هناك بقالة عباس الذي كان يحفظ بعض الأغاني الخليجية ويرددها عندما نطلب منه شطيرة جبن وأحياناً جبن مع الطماطم والتي تجعل سعرها يرتفع إلى درهم ونصف، أحياناً نطلب منه وضع ما دقوس وهو الفلفل ولا أدري من أين أتت هذه التسمية، أذكر ذلك المكان الصغير حقاً والمتخم بالرفوف والثلاجات، في الصباح أدخل وأسلم وأطلب شطيرة جبن مع الفلفل ويبدأ عباس بالعمل والغناء وكانت أغنيته المفضلة هي يا اللومي يا اللومي حامض حلو، بينما هو يغني أتجول بنظري في زوايا البقالة التي اعرفها جيداً ومع ذلك أبحث عن شيء جديد فيها، ربما لعبة جديدة أو شيء يمكنني إنفاق دراهمي القليلة عليه.

أذكر الألعاب التي كانت متوفرة في البقالات، هناك البالونات التي وضعت في لوحة عليها أرقام وعلى المشتري أن يختار أي رقم لكنه لن يعرف أي بالونة سيحصل عليها، كان هدفنا أن نحصل على أكبر واحدة منها ولا أذكر أنني حصلت عليها مرة، كانت هناك أكياس المفاجآت التي لا نعرف ما الذي تحويه وشراءها مغامرة لأن بعضها لم يكن يحوي ما يبرر إنفاق درهمين أو ثلاثة عليها وبعضها كان يحوي كنوزاً، مثل لعبة دراجة نارية لها محرك يمكن شحنه بدفعها للخلف ثم تركها تنطلق.

من بين كل الألعاب أتذكر جيداً كيس جنود البلاستك، جنود يلبسون عدة حربية ويأتون بلون أخضر عسكري وكل واحد منهم لديه سلاح ويقف بأسلوب مختلف بحسب السلاح، بعض هذه الأكياس تحوي سيارات عسكرية ودبابات، أذكر أنني كنت ألعب بها مع قريب ونعد ساحة الحرب بيني وبينه.

81wVmmDyT3L._AC_SX522_لعبة أخرى أذكرها جيداً وقد كانت أكثر متعة وهي الطائرات الصنوعة من الستايرفوم وتأتي في مغلف ورقي وعلى المشتري أن يركبها بنفسه ثم يجرب أن يجعلها تطير وقد كانت تطير حقاً، الطائرات كانت تحاكي في ألوانها طائرات عسكرية، لاحقاً ظهرت لعبة أخرى مماثلة لكن تحاكي الطيور وأذكر أننا كنا نفضل واحداً منها لقدرته على التحليق لمسافات طويلة.

ثم هناك ألعاب التحكم عن بعد، غالباً سيارات رياضية وبعضها كان يأتي على شكل دبابات، الخيار العسكري دائماً متوفر في مثل هذه الألعاب وفي الغالب هدفه جذب الأولاد، كنت ولا زلت أحب ألعاب التحكم عن بعد لكن لم أشتري إلا اثنين أو ثلاثة منها في حياتي وآخر واحد منها كان قبل ما يزيد عن خمس وعشرين عاماً.


هل تذكر أول زيارة لك لمكتبة؟ وأعني مكتبة يمكنك شراء الكتب منها وليست مكتبة عامة، لا أذكر أول زيارة لكن أذكر المكتبات عندما كنت صغيراً وأذكر الكتب وصورها وكنت أحب الكتب التي تشرح كيف تعمل الأشياء ولا زلت إلى اليوم، أحب هذه الكتب التي تشرح بالصور الطبيعة أو الكواكب أو كيف يعمل مكوك الفضاء أو ما هي مكونات طائرة حربية وما الذي تحويه الدبابات وكيف تعمل.

في مكتبتي اليوم هناك أكثر من كتاب مصور أحدها عن الفضاء والفيزياء والآخر أفلام حرب النجوم وهناك ثالث عن البناء والعمارة في وادي حضرموت وكتاب آخر عن المعدات العسكرية عبر التاريخ والحضارات ويبدأ من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد وحتى العصر الحديث، اشتريته لأنني أحب هذا النوع من الكتب؛ أعني الكتب المصورة حول أي موضوع ومؤمن بأن أي مكتب يجب أن تحوي بعضها، وسيلة لتصفح كتب خفيفة بين حين وآخر وكذلك لجذب الصغار نحو الكتب والقراءة.

كنت أقرأ الكتب العسكرية وأستمتع بالقراءة عن تقنيات السلاح ولم طورت وكيف استخدمت وكيف نجح جيش ما في الانتصار على عدوه باستخدام هذه التقنية، لم أفكر مرة بأن ما أقرأه وأستمتع به هو تاريخ حدث لأناس عاشوا في الماضي بعضهم قاتل وبعضهم مقتول ومن لم يقتل تعرض لإصابة تعيش معه طوال حياته، المعاناة وشقاء الحرب كان شيئاً لم تصفه هذه الكتب أو تتحدث عنه لأنها تركز على الجانب التقني وعلى كفاءة السلاح في القتل والتدمير دون أن تضع ملاحظة ولو قصيرة تذكر القارئ بأن هذه أدوات حرب والحرب ليست لعبة، الحرب ليست شيئاً يستحق التمجيد، وجود السلاح يعني وجود الضحايا لهذا السلاح.

إضافة للكتب هناك ألعاب الفيديو التي منذ بدأت وحتى اليوم اعتمدت على القتال كوسيلة أساسية لصنع المحتوى، وبالطبع علي أن أقول بأن ليس كل الألعاب فيها قتال فهناك الكثير منها لا يحوي أي عنف من أي نوع، لكن أتحدث عن ألعاب اعتمدت مبكراً على الحرب والقتال بأنواعه، بدأت بسيطة وتطورت مع تطور تقنيات أجهزة ألعاب الفيديو والحواسيب لتصل إلى مستوى يحاكي الواقع بتفاصيله، شركات ألعاب الفيديو المطورة للألعاب الحربية لا تكتفي بتصور كيف يعمل السلاح بل تدرس السلاح على أرض الواقع وتسجل أبعاده وصوته وحتى قوته وتحاول محاكاة ذلك.

بعض الألعاب تحولت لألعاب شبكية تضع الناس في عالم افتراضي واحد وعليهم قتل بعضهم البعض والناجي الأخير هو الفائز، أصبحت هذه الفئة من الألعاب مشهورة لدرجة أن حكومات منعت بعضها أو حاولت لأن الناس يقضون ساعات طويلة في اللعبة خصوصاً أن بعضها متوفر في الهواتف الذكية وهذا يعني قضاء كل وقت ممكن في اللعبة.

ثم هناك البرامج الوثائقية التي كانت تعرض تاريخ الحروب وخصوصاً الحروب الحديثة مثل الحرب العالمية الأولى والثانية وقد كان بعضها يعرض مآسي الحروب وبعضها يتحدث عن جانب منها مثل دور نوع معين من الدبابات في الحرب أو تطوير تقنيات التجسس لفك شفرة رسائل العدو.

يبدو أنني أحطت نفسي بالحرب دون أن أدرك ذلك، أو لأن الحرب كانت شيئاً طبيعياً مألوفاً لي منذ كنت صغيراً، فقد كنت أراها في التلفاز منذ أو بدأت أفهم الدنيا ثم بدأت أقرأها في الصحف والكتب وأرى صورها البشعة التي ما زال بعضها يلاحقني إلى اليوم.


شاهدت مقطع فيديو من قناة الهندسة الرائعة يتحدث عن معدن التيتانيوم وكيف استخدم لصنع طائرة تجسس:

أذكر إعجابي بهذه الطائرة وقدراتها لكن أثناء مشاهدة الفيديو كنت أشعر بالاشمئزاز، شعور بدأ منذ سنوات في النمو كلما شاهدت أو قرأت أي شيء متعلق بالأسلحة والآلات العسكرية، أدرك أن الحروب كانت سبباً في تطوير تقنيات مفيدة كثيرة وهذا ما يردده البعض بأن الحروب لها جانب جيد فهي تدفع الناس نحو تطوير حلول لمشاكل عديدة.

لكن في المقابل لماذا نحن كبشر نحتاج للحروب لكي نطور الحلول والتقنيات؟ ألا يمكننا فعل ذلك في أوقات السلم ونطور تقنيات لكي نعيش في سلام؟ أعلم أنه سؤال ساذج وأعرف الإجابة لكن لن أتوقف عن طرح هذا السؤال على نفسي، كم من المال والوقت يذهب في تطوير تقنيات عسكرية؟ وكم من المال يضيع على شراء معدات حربية في دول تحتاج للمال لتنفقه على أمور أهم مثل الصحة والتعليم وتطوير البنية التحتية وتأمين الغذاء.

أشعر بأن الحديث عن الآلات العسكرية يمجد هذه الآلات وإن لم يقصد صناع المحتوى فعل ذلك، وليس على الكاتب أو صانع الفيديو أن يذكر أهوال الحرب إن تحدث عن جانب منها، مع ذلك أجد أن عدم فعل ذلك يضايقني.

6 أفكار على ”جنود من البلاستك

  1. نعم كنت اقتني هذه الجنود الخضراء المصنوعة من البلاستيك، شكرًا جزيلًا على التدوينة وسردك للجانب المظلم من الحروب وتطوّر الأسلحة.

    إعجاب

  2. نعم تذكرت هذه اﻷلعاب، البالون ذو الرقم، والطائرة الفلينية وكانت المروحة تدور عند طيرانها، وصندوق الحظ، وعصير صن توب كان مرّاً لكننا نشتريه لأن به لاصق يحتوي على صورة نجمعها في كتاب به صور من دول العالم، ثم نرسله لإعطائنا جائزة. العولمة كانت موجودة منذ وقت طويل، كانت الصناعة التايوانية تملأ دول الخليج

    إعجاب

    • الصناعة التايوانية كانت تستخدم كمثال لصناعة سيئة، كان الناس هنا يقولون “هذا تايواني” لوصف شيء سيء و “هذا ياباني” لوصف شيء جيد، لا أذكر ملصق عصير صن توب، أذكر العصير نفسه لكن بلا ملصقات للأسف 😄

      إعجاب

  3. أفترض أن صاحب البقالة هذا من العجم. في البحرين تجد العمالة الهندية في البقالات، أما العجم لهم محلاتهم و تجاراتهم و منها ما هو مستورد من إيران. على أية حال، البقالات أو البرادات -كما نسميها- صارت محلات تبيع كل ما هو غير صحي و مليء بالسكر المعالج و الزيوت المهدرجة. هذا الشيء يجعلني أفضل محلات السوبرماركت التي أجد فيها الأكل الأكثر صحية من ما أجده في البقالات. مثلاُ في السوبرماركت تجد الجبن الطبيعي الذي تشعر بوجود طعم عند أكله، على عكس الجبن المعالج (أو ما يكتب عليه جبنة مطبوخة) الذي طعمه أقرب لطعم البلاستيك.
    الطائرات الورقية التي تركب أظن كانت موجودة لحد 2002 أو قبل ذلك. لا أتذكر بالضبط، لكن كانت موجودة و أتذكرها. أتذكر أنها كانت لينة و تتلف بسرعة، نظراً لجودة صناعتها و بالتالي سعرها المنخفض جداً. كانت وسيلة ترفيهية قبل أن تتاح لنا الألعاب الإلكترونية التي كانت و لا زالت أكثر تسلية من تلك الألعاب البسيطة.
    أول زيارة لمكتبة لشراء كتب كانت 2015 أي قبل خمس سنوات. لا أتذكر اسم المكتبة لكنها تقع في أشهر شارع تجاري و هو شارع المعارض. المكتبة فيها كتب طب و تناسب طلاب الطب، لكن ذهبت آنذاك لشراء كتاب عن الشبكات. سألت العامل فلم يفهم، فبحثت بنفسي لكن لم أجد. في المكتبة توجد بعض القصص و الروايات الأجنبية. قبل ثلاث سنوات، ذهبت لأشتري غرضاً من قرطاسية قريبة المسافة بالسيارة، لكنها أيضاً مكتبة و وجدت فيها روايات هاري بوتر، لكنني وجدت سعرها مكلف، خصوصاً إن عرفنا إن مضمون الأفلام مبني على الرواية، إلا في بعض التفاصيل التي تجاوزتها الأفلام نظراً لأن الأفلام طويلة و لا تتحمل أن تكون أطول.

    إعجاب

    • هو هندي من كيرلا، بعض الهنود لديهم قدرة على تعلم اللهجات، التقيت وعرف أحدهم فقد كان يتقن اللهجة الكويتية ويشاهد المسلسلات الكويتية!

      ما تقوله حول الطعام الصحي صحيح، نفس الوضع هنا، وأخمن بأنه نفس الوضع في كل دول العالم، البقالات الصغيرة توفر مستلزمات مختلفة لكن الطعام الصحي ليس منها حتى لو وفرت القليل منه، الناس يذهبون لمحلات متخصصة في ذلك لشراء ما يحتاجونه من طعام.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.