
لفترة في أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة (التي لم تعد جديدة) ظهرت حواسيب تسمى بالإنجليزية Internet appliance وهي أجهزة إنترنت صممت لتقدم اتصال بالإنترنت وبالتحديد للويب وتكون بسيطة وسهلة الاستخدام وتقدم إمكانية استقبال وإرسال البريد الإلكتروني، كانت هذه الأجهزة تباع بأسعار تقترب من أسعار الحواسيب المكتبية وبعضها يحتاج لدفع مبلغ شهري للاتصال بالإنترنت، يمكنك أن ترى لم فشلت هذه الأجهزة ولم تستمر.
مع ذلك لدي شغف بمعرفة هذه الأجهزة ويقين بأن لها مكاناً في السوق اليوم لو أتقن صنعها وعرضت بأسعار مقبولة، وصفحة ويكيبيديا تعرض أبل آيباد كواحد من هذه الأجهزة لكن أجد في ذلك مشكلة، آيباد يمكنه أن يقدم الكثير مقارنة بأجهزة الإنترنت، إمكانية تثبيت التطبيقات في آيباد تجعله مختلف عن أجهزة الإنترنت التي كانت تقدم متصفحاً وبرنامجاً للبريد الإلكتروني ولم تكن تقدم إمكانية تثبيت تطبيقات.
أحد هذه الأجهزة وأكثرها تميزاً في رأيي هو سوني إي فيلا (Sony eVilla) الذي وصل للسوق عندما بدأت الشركات الأخرى في الخروج منه، وقد طرح بسعر 499 دولار واشتراك شهري يكلف 21.95 دولار شهرياً، وفي ذلك الوقت سعر الجهاز يقترب من أسعار الحواسيب المكتبية وأضف لذلك تكلفة الاتصال، من يرغب في شراء الجهاز سيقارن ما هو متوفر في السوق ويجد أن الحاسوب المكتبي خيار أفضل.

جهاز سوني صمم ليكون من نوع الكل في واحد، الحاسوب داخل الشاشة التي كانت رأسية أو عمودية وهذا خيار منطقي ومختلف عن كل الأجهزة الأخرى، الشاشة كانت من نوع CRT بمقياس 15 إنش ودقة 800×1024، وقد كانت مسطحة وهذا يعني أن الشاشة ستكون أكبر وأثقل مقارنة بالشاشة غير المسطحة، أسفل الشاشة هناك سماعات ومدخل لبطاقة ذاكرة من سوني (Memory Stick) وهناك منفذ يو أس بي يسمح بوصل أجهزة تخزين أخرى مثل (Iomega Zip) الذي كان يقدم أقراص مرنة بسعة عالية، ويمكن وصل طابعات للجهاز كذلك.
الجهاز يعمل بنظام BeIA وهو نسخة من نظام BeOS صممت لأجهزة الإنترنت، شركة بي كانت في طريقها لإغلاق أبوابها وقد حدث ذلك في نوفمبر 2001، الشركة لم تستطع المنافسة في سوق الأجهزة المكتبية (شكراً لمايكروسوفت!) ولم تستطع أن تبيع نفسها لشركة أبل لأن مدير بي طمع في مبلغ مالي كبير مقابل شراء الشركة فاتجهت أبل لشراء شركة نكست الذي أسسها ستيف جوبز بعد خروجه من أبل.
متصفح جهاز سوني كان أوبرا وهو متصفح من شركة نرويجية وقد كان لفترة متصفحاً مشهوراً والأكثر استخداماً في دول عديدة، وقد كان يعمل بمحرك خاص به، حالياً متصفح أوبرا يعمل بمحرك كروم، سوني يحوي كذلك مشغل الوسائط المتعددة ريل بلاير (RealPlayer) وهو برنامج كان مهماً في ذلك الوقت، أي شخص يريد أن يشاهد فيديو أو يسمع لمقطع صوتي فعليه تنزيل هذا البرنامج.
الجهاز طرح في يونيو 2001 وسحب من السوق في سبتمبر 2001 وسوني أعادت تكلفة الجهاز والاشتراك لكل من اشتراه وأخمن بأن عددهم قليل، لم أجد عدد مبيعات الجهاز، حالياً جامعي أجهزة الحاسوب الذين يبحثون عنه لا يجدونه بسهولة وأخمن بأن ما يعرض للبيع يباع بتكلفة عالية.
سوني طرحت الجهاز على أنه جهاز سهل الاستخدام مقارنة بالحواسيب المكتبية وهذا صحيح في ذلك الوقت واليوم، لا شك لدي أن هناك فئة من الناس لا يريدون شيئاً من الحاسوب سوى أن يكون نافذة للإنترنت ويقدم بعض البرامج البسيطة، آيباد يفعل ذلك لكن آيباد مرتبط بأبل ومتجرها ويقدم الكثير، لدي يقين أن أجهزة إنترنت حديثة يمكن أن يكون لها سوق لكنه سوق صغير ومحدود والشركات الكبيرة لن تدخله مرة أخرى.
مجلة بي سي ماجازين وجدت العديد من العيوب في الجهاز وذكر الكاتب بأن السعر لو كان 199 دولار لكان هناك مبرر لشراءه على عيوبه.
هذا يجعلني أتسائل كيف يمكن لفريق عمل في شركة كبيرة أن يخرج بجهاز مثل هذا؟ ألم يختبروا الفكرة قبل طرحها؟ لم يسألوا رأي شخص خارج الشركة؟ أنا معجب بالجهاز بسبب شاشته العمودية التي أؤمن بأنها الوضع الصحيح لشاشات الحاسوب ومعجبة بفكرة الواجهة البسيطة لكن لن أنكر عيوبه.
هل الناس يميلون لاقتناء الأجهزة المتخصصة في أمر واحد أو مجال واحد، أم أن التوجه العام للناس يميل لشراء الأجهزة من نمط “الكل في واحد” التي تؤدي عدة مهام مختلفة أو متقاربة في مجال واحد أو عدة مجالات مترابطة؟ ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال برأيٍ شخصي، ولكنني أطرحه لأنه يتعلق بالكثير من المنتجات التي نراها تقتحم السوق ثم تختفي أو تطغى عليه.
كما أن هناك سؤالا آخر يطرح نفسه أيضا وبقوة: هل التكنولوجيا التي تنفع الناس تنتشر انتشارا عفويا لكون البشر يختارون دائما ما ينفعهم، أم أن التكنولوجيا تُفرض على الناس فرضا من خلال لعبة القوة والتأثير والمال؟
تبادر إلى ذهني هذين السؤالين بعد قراءتي للمقال، وخطر في بالي مثال مشابه لهذا النوع من الأجهزة والذي يتخصص في مهمة واحدة ولاقى انتشارا كبيرا (كما تذكر ويكيبيديا)، وهو Amazon Kindle e-reader.
ما أود الاستفسار عنه منك هو لماذا نجح كيندل وفشل إيفيلا؟ ألسؤاليَّ السابقين علاقة بالمعادلة، أم لأن العيوب التي ذكرتها في إيفيلا ليس لها مناظر في كيندل؟
سؤالك الأول لا يمكن الإجابة عليه في تعليق قصير 🙂 هناك أمثلة لأجهزة تقدم شيئاً واحداً ونجحت في السوق وأمثلة لأجهزة لم تنجح، يمكن استعراض قصص النجاح والفشل ورؤية نمط يتكرر، مثلاً الأجهزة التي لم تنجح قد تعاني من سلبيات مختلفة مثل ارتفاع أسعارها أو أنها أتت في وقت مبكر في حين أن منتج مماثل جاء بعد خمس عشر عاماً نجح لأن السوق جاهز لاستقباله، أحياناً التقنيات القديمة يكون أدائها ضعيفاً مع أن التصميم جيد لكن مطور المنتج بحاجة للانتظار سنوات حتى تصبح التقنية أفضل ليطرحها مرة أخرى.
سؤالك الثاني تجيب عليه كتب وهو سؤال مهم، لا أستطيع أن أجيب عليه هنا لأنني أحاول فعل ذلك في المدونة وفي مواضيع عدة.
المقارنة بين كيندل وإيفيلا ستكون سهلة، عيوب جهاز سوني وسعره المرتفع يجعله خياراً لا منطقي وسوني نفسها أدركت ذلك، الجهاز لا يمكنه الاستمرار في السوق بعيوبه، جهاز كندل كان جيداً من البداية وطرح بسعر مرتفع لكن ليس سعر مبالغ فيه، ومع كل جيل الجهاز يتحسن أداءه وينخفض سعره، هناك فائدة واضحة يقدمها كندل في حين أن إيفيلا لا يقدم شيئاً يبرر سعره.
كان بالإمكان لإيفيلا أن ينجح لو أتقن صنعه وطرح بسعر رخيص، لكن هذا في الغالب لم يكن ممكناً في ذلك الوقت، تكلفة التطوير تعني أنه سيطرح بخسارة.
فعلا، الإجابة على السؤال الأول محيرة، وقد يكون من المستحيل تقديم أنماط معينة لتفضيلات الناس فيما يتعلق بأجهزة “الواحد في واحد” أو “الكل في واحد”؛ فالجواب سيأتي دائما بصيغة إجابتك، ويحتاج الأمر إلى إجراء بحوث علمية للتوصل إلى إجابة أقرب للدقة. النمط السائد للمنتجات اليوم هو أن الكل في واحد يعني تخفيض الأداء والجودة والقدرة وغيرها وجعلها في حدود وسطية، ومن يريد أن يحصل على قيم أعلى للمتغيرات السابقة عليه أن يقتني ما هو متخصص؛ ومثال على ذلك أجهزة الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية. من يريد الاحتراف في التصوير لن يقتني هاتفا ذكيا بأعلى دقة للكاميرا، بل سيشتري كاميرا متخصصة بالتصوير فقط، فلا أهمية لأن تكون الكاميرا قادرة على الاتصال مع الآخرين! ولكن في حالة كيندل مثلا، نحن أمام جهاز لا يمكن اعتباره الوسيلة الوحيدة لتصفح الكتب الإلكترونية، ولا يمكننا القول أن الجودة التي يقدمها أعلى من تلك الموجودة في الأجهزة غير المتخصصة بوظيفة القراءة فقط، فالحواسيب والهواتف يمكنها أن تفعل ذلك أيضا وبنفس الجودة. هذا المثال هو ما أعنيه حين طرحت سؤالي عن ميل الناس للأجهزة المتخصصة. كنت أقصد تلك الأجهزة التي لا تأتي بميزات أكبر أو تشكل فرقا حين استخدامها ضمن أجهزة متخصصة بدل الأجهزة متعددة الاستخدامات. أعتقد أن لهذا السؤال شق ثقافي يتدخل في الإجابة عنه، ولا يقتصر على الماديات فقط. فشخصيا أفضل الأجهزة المتخصصة في مجال واحد وإن لم تكن تشكل فرقا في استخدامها عن طريق الحاسوب أو الهاتف، لأن الجهاز المتخصص يعني بالنسبة لي تركيزا أكثر على ما أفعله (لا مزيد من رسائل الواتساب أثناء تصفحي للإنترنت لو كنت أستخدم إيفيلا، ولا مزيد من التشتيت حين أقرأ كتابا عبر كيندل).، كما أن الأجهزة المتخصصة تعني زيادة تعمقي ومعرفتي بطريقة استخدامي لها، فالطابعة التي تؤدي مهمة واحدة، وهي الطباعة، سأكون أكثر درايةية ومعرفة باستخدامها من تلك الطابعات في المكتبات والتي تحتوي على مئة أمر وميزة لا يمكنني إتقانها أو استخدمها جميعا. أضف إلى ذلك أن الشركة حين تعمل على منتج بخدمة واحد فإنها ستصب تركيزها على أصغر التفاصيل في المنتج، وستحل لك مشاكلك معه بوقت أسرع… فالأمر هنا يتعلق بثقافة المرء تجاه الأدوات التي يستخدمها في حياته.