أن تكون جنياً

كنت أقف خلف الستائر السوداء منتظراً سماع عبارة لكي أعلن عن وجودي وأخرج، وجهي مصبوغ بألوان مخيفة ولم تكن هناك مرآة لأرى نفسي قبل المسرحية ولا وقت للبحث عن واحدة، كنت في غاية التوتر وأحاول تشجيع نفسي دون الحديث لنفسي، علي أن أكون صامتاً تماماً.

المشهد في أول المسرحية: يدخل شاب إلى خشبة المسرح التي لم تحوي سوى علبة فول ويصطدم بآخر، المشهد يريد تصوير أن الشاب كان يمشي في سوق ولم يكن لينتبه لعلبة الفول لولا اصطدامه بشخص آخر، علبة الفول قديمة ومغبرة فيمسح عنها الغبار ويأتي دوري، التقنية في ذلك الوقت لم تكن تسمح بوضع شخص بحجمي في علبة فول لذلك خرجت من منتصف المسرح قائلاً وبصوت عالي: ها ها ها!

استقبلني الجمهور بالصراخ من المفاجأة، انتظرت حتى يهدأ الجمهور ثم قلت “شبيك لبيك … ساكن القوطي بين إيديك!” وأخبرت الشاب أن لديه ثلاث أمنيات فكانت أمنيته الأولى الحصول على بيت وهذا ما جعلني أسخر منه، أنا أسكن علبة فول ويطلب مني بيتاً كاملاً، أنا ألعب دور جني فقير لا يملك حتى مصباحه ويطلب مني منزلاً؟! كان علي أن أعرف بأن هذا المشهد سيصبح واقعاً أو جزء منه على الأقل، الآن وبعد أكثر من خمس وعشرين عاماً من المسرحية أتمنى لو أنني أملك مكاناً خاصاً بي، منزل صغير ولست أسأل أكثر من ذلك أو حتى شقة، هذه واحدة من الأمنيات التي أعرف أنها لن تتحقق وأنا في سلام مع ذلك.

وهناك أمنيات عدة أعلم أنها لن تتحقق، لكن أتخيلها ولا أستطيع التوقف عن تخيل المواقف على اختلافها وهذه عادة بدأت منذ عرفت الدنيا وإلى اليوم وهي العادة التي تجعلني أتحدث لنفسي وأدخل في نقاشات كثيرة مع نسخ مختلفة من نفسي ويحدث أحياناً أن ندخل في خلاف ثم نتخاصم ولا نتحدث لفترة، ليس لدي اضطراب تعدد الشخصيات بل لدي رغبة في الحديث عن ألف موضوع لا يهتم به أحد غيري، ومع اتصالي بالإنترنت عرفت أن الحديث مع النفس أمر طبيعي لبعض الناس وأن له إيجابيات وأن الجميع يتحدثون مع أنفسهم في عقولهم.

أظن أن انتظار أمنيات بعيدة المنال هو السبب الفعلي لكتابة القصص والروايات أو على الأقل لكتابة قصص الأبطال الخارقين، لأننا نريد الطيران ونحلم به ونرى الطيور ونتمنى لو أننا نستطيع فعل ما تفعله، بعض الناس حاولوا تقليد الطيور وأحياناً عندما نشعر بالغضب نريد أن نمارس العنف كما نشاهد في الأفلام ونحل المشكلة بالعنف، بضع لكمات ورفسات ونعالج الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يعاني منها الناس، أحياناً نتمنى السفر عبر الزمن لكي نرى إن كانت الحياة في الماضي أفضل أو نحاول رؤية المستقبل.

رأيت على الشبكة سؤالاً يتكرر: إن كنت ستختار قوة خارقة واحدة فما هو اختيارك؟ أجبت على السؤال مرة بعد مرة ووصلت أخيراً لجواب يرضيني، مرة تمنيت لو أنني أستطيع شفاء الناس لأنني أرى معاناة الآخرين وأنا عاجز عن فعل شيء تجاههم، لو كان بإمكاني فقط أن أضع يدي عليهم وتحدث معجزة، ثم فكرت كيف سأتعامل مع هذه القوة إن عرف الناس أنني أملكها؟ لن يكون هذا سهلاً ولن أستطيع أن أكون في كل مكان في نفس الوقت، هذه أمنية غير عملية.

الطيران أمنية أخرى وأعني الطيران مثل سوبرمان لكن يبدو لي هذا مضحكاً لذلك غيرتها إلى الانتقال الآني وهذه أمنية أساسها الرغبة في الهروب، العالم صاخب ومزعج وأود الهروب إلى مكان هادئ، أمنيتي أن أقضي يوماً في مكان هادئ بدون بشر حولي، إن كان بإمكاني الانتقال الآني لأي بقعة على الأرض فهذا يعني إمكانية السفر بلا حدود، يمكن الانتقال لأي مكان وعبور الحدود بدون عبورها، لا حاجة لجواز السفر وتكاليفه، البيت هو الفندق المثالي، يمكن خوض مغامرة في أي بقعة من العالم ثم العودة للمنزل في ثانية، يمكنني كذلك العمل في التوصيل لكن مقابل أسعار مرتفعة، توصيل البضاعة في خمس دقائق لأي نطقة من العالم.

لكن هذا مجرد لعب بالخيال، ما أتمناه حقاً هو إيجاد مكان طبيعي وهادئ وبعيداً عن الناس، قد يكون في وسط الصحراء ولا مشكلة في ذلك، هل رأيت الغروب في الصحراء؟ هل رأيت السماء في الليل في وسط الصحراء؟ منظر لن أنساه وأتمنى رؤيته مرة أخرى.

بعد سنوات من تخيل هذه القوى الخارقة وصلت لإجابة، أريد أن أفهم لغات البشر كلهم، أود السفر لأي مكان والقدرة على الحديث مع الناس كأنني واحد منهم، أود أن أتصفح المواقع على اختلاف لغاتها وشراء الكتب من كل ثقافة، أود قراءة الروايات كما كتبت أول مرة دون ترجمتها.

الأخ عامر حريري كتب عن السؤال وإجابته وذكر في آخر موضوعه قدرة خارقة يملكها كل البشر وهي الإبداع وهو محق في ذلك، عندما نكسر القيود ونعطي لأنفسنا فرصة سنجد في أنفسنا ما لم نكن نتخيل وجوده من قبل، إن كنت تظن أنك غير قادر على أن تكون مبدعاً فترسم أو تكتب أو تصنع شيئاً ما فعليك أن تكسر القيود وتعطي لنفسك فرصة وتدرك أنك لن تنجح من أول مرة، لا أحد يصنع ناطحة سحاب بوضع حجر واحد، ضع حجراً كل يوم وستنطح السحاب في يوم ما.

4 thoughts on “أن تكون جنياً

  1. حقق الله لك أمنية البيت وغيرها مما ترغب .. إنه على كل شيء قدير ..
    الكلام مع النفس هو نوع متقدم من التفكير ومن الممكن أن يعطي أفكاراً أوسع وغير مسبوقة
    حقيقة أحببت هذا الموضوع جداً وشكراً لك على كتابته

  2. فعلاً الطيران من الأمنيات المكررة عند كثير من الناس، أنا شخصياً أحب أن ألعب لعبة Minetest الشبيهة بلعبة Minecraft فأطير في اللعبة استكشف الجزر وأغوص في البحر وأخرج مرة لأواصل الطيران، الغريب أن شعور الدخول في البحر كأنه حقيقي، كذلك الوقوف في حافة جبل أو هاوية يُشعرني بالخوف

    1. بالطبع الوقوف على الحافة مخيف، لعبة ماينكرافت هي الوحيدة الآن التي تستطيع إخافتي حقاً، السقوط من مكان مرتفع أو السقوط في حفرة من الحمم البركانية دون مهرب، هذا مخيف 🙂

Comments are closed.