لقاء من مات في عالم افتراضي

هذا موضوع أفكر فيه بصوت عال لأنني رأيت شيئاً يستحق أن أفكر فيه قليلاً لكن لا أدري ما شعوري تجاهه، رأيت خبراً عن قناة تلفاز كورية وضعت صورة فتاة في بيئة واقع افتراضي وأعطت الأم فرصة للقاء ابنتها مرة أخرى، البنت توفيت بسبب مرض في سن السابعة، الفريق الذي طور البيئة أنفق ثمانية أشهر لإعادة تشكيل صورة الفتاة في عالم ثلاثي الأبعاد وهذا يتضمن حتى صوتها.

يمكنك أن ترى المقطع بنفسك إن أردت، وهو جزء من برنامج وثائقي. علي أن أقول بأنه شيء يصعب مشاهدته.

وعلي أن أنوه بأنني مهما كتبت في هذا الموضوع، أنا لا ألوم أو انتقد الأم بأي شكل.

(1)
فقدان شخص عزيز هي تجربة صعبة حقاً ويعرف ذلك من جربها، حتى من لم يواجه هذا الموقف سيكون لديه خوف من حدوث ذلك، الموت حقيقة لا مفر منها ومهما استعد أحدنا لرحيل قريب وعزيز فلن يكون مستعداً حقاً، فقدان شخص يجرح أرواحنا والوقت وحده هو العلاج، قد تمضي أشهر وسنوات قبل أن نتقبل حقيقة أن من رحل قد رحل، أو قد نتقبل ذلك لكن ألم الفراق لا يفارقنا بسهولة.

طقوس الجنازة على اختلافها بين شعوب العالم هي وسيلة لاحترام الميت ونقله من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وبعد ذلك يعود الناس إلى حياتهم اليومية ويحاولون العيش كما كانوا يفعلون قبل موت من يحبون، لكن الأيام ليس لها نفس الروح، هناك فراغ لا يمكن تجاهله لكن يفعل الفرد منا ما بوسعه لكي يعيش أياماً عادية كأن شيئاً لم يحدث، وبمرور الأيام يتقبل المرء ما حدث ويتلاشى الحزن وتبقى ذكرياتنا مع من رحل.

لكن الناس مختلفون في ردود أفعالهم تجاه موت من يحبون، يحتفظ بعضنا بصور وربما مقاطع فيديو لمن مات ويشاهدها بين حين وآخر، البعض يوثق حياة الراحل في كتاب أو ألبوم صور أو في مشروع خيري، رأيت وتابعت رجلاً له قناة يوتيوب وفقد ابنته التي كان يعرف أنها ستولد وهي مريضة بمرض لن يترك لها فرصة لتعيش أكثر من يوم أو يومين، أعطاها اسماً وجاءت إلى الدنيا ثم رحلت، تغير الرجل بلا شك، لكنه عاد بعد ذلك لقناته ليبني مدينة كبيرة افتراضية باسم ابنته.

الأم الكورية وجدت فرصة لترى ابنتها ولو افتراضياً وكان هذا أمراً إيجابياً كما فهمت، هو شيء جديد لا نألفه اليوم وقد يصبح مألوفاً في المستقبل القريب، ثم علينا أن نتذكر اختلاف الثقافة بين شعوب العالم وتعاملهم مع الموت، ما يبدو غريباً ومستهجناً لشعوب قد لا يكون كذلك لشعوب أخرى.

(2)
في أول رواية من سلسلة روايات هاري بوتر يقضي هاري جزء من وقته في الرواية مستشكفاً أماكن جديدة في القلعة الكبيرة، وفي أحد الأيام اكتشف مرآة عجيبة، المرآة لم تعكس فقط صورته بل عرضت عليه صورة أناس لم يرهم من قبل، امرأة ورجل يشبه هاري، لأول مرة يرى هاري أباه وأمه فقد كان يتيم الأم والأب.

قضى هاري أياماً يفكر في المرآة ويزورها ويجلس أمامها، تجاهل تحذير صديقه بأنه أصبح مهووساً بها، في يوم ما كان مدير المدرسة هناك في نفس الغرفة التي استخدمت لحفظ المرآة لكن هاري لم ينتبه له لأن فكرة واحدة كانت تسيطر على ذهنه؛ تحدث معه المدير ليشرح له ما تفعله المرآة فهي تعرض له أعمق ما في قلب الإنسان من رغبات، ثم حذره بأن هناك أناس ضيعوا حياتهم أمام المرآة التي لا تعرض حقيقة أو معرفة.

اليوم يمكن لشركات التقنية أن تصنع شيئاً يشبه هذه المرآة، يمكنهم إعادة إحياء صورة من رحل بل هناك شركات تعمل على تحقيق ذلك، وكالمعتاد مع كثير من التقنيات الرقمية، ليس هناك فرصة للتفكير في التقنية وأثرها قبل أن تصل للسوق.

علينا التفكير في أثر إعادة من مات لواقع افتراضي، لصورة لا يمكن لمسها لكنها صورة تتحرك ولها صوت ومع تطور التقنيات يمكن أن تصبح نسخة طبق الأصل من الراحل ووحدها الشاشة التي تجعلنا نعرف أن ما نراه ليس حقيقياً، هل سنجلس أمام الشاشات كما جلس هاري أمام المرآة ليرى صورة لأعمق رغباته لكنها صورة لن يصل إليها مهما حدث، حتى في عالم الروايات السحري لا يمكن للميت أن يعود إلى الحياة.

(3)
لا أدري ما هو شعوري ورأيي حول كل هذا، تجربة الأم الكورية الإيجابية لا يعني أنها ستكون تجربة إيجابية لكل فرد آخر، وأجد مشكلة في تصوير لحظة خاصة وعرضها في التلفاز والشبكة، لو كان مجرد خبر عن حدوث شيء دون مقطع فيديو لكان الأمر مختلفاً، لكنها لحظة خاصة وصلت للعالم.

أجد في هذا مشكلة ولا أدري كيف أعبر عن ذلك، مرة أخرى، أحاول التفكير بصوت عال هنا.

8 أفكار على ”لقاء من مات في عالم افتراضي

  1. المشكلة انه مهما تقدم العلم ووصل الي درجة تجعل امكانية اعادة لقاء من مات في العالم الافتراضي حقيقة فانه بمجرد توقف الامر وانتهاء التجربة ستعود الحقيقة كما هي بأن هذا الكيان او الشخص الذى نتعامله معه افتراضيا ليس الشخص الحقيقي الذى كنا نعرفه وانه مهما كان وجه الشبه في الصوت او الشكل او الاسلوب فبداخلنا نعرف انه ليس من كان معنا في يوم من الايام .
    والامر قد لا يحتاج الي انتظار الواقع الافتراضي لتجربة هذه الامور فنحن في الحلم واثناء النوم نشاهد من توفي وكان عزيز علينا ونتحدث معه ويتحدث معنا ولكن بمجرد الاستيقاظ من النوم تظل الحقيقة بأن هذا كان مجرد حلم او خيال في عقولنا وليس الواقع .
    انا لا الوم الام او اي شخص فقد او توفي له شخص عزيز عليه او يحبه علي تلك الامور او الافكار ولكني اعتقد ان هذا شكل من اشكال تعذيب الذات لأنني في النهاية لا استطيع التعايش مع هذا الكيان او الشخص الافتراضي او حتي الخيالي في عقلي ولا استطيع تقبل فكرة انه توفي او انتهي الاتصال ما بيني وبينه ، فهو في الحقيقة ليس موجود فعليا انما هو رغبتي في وجوده من تجعل لهذه الامور معني او قيمة بداخلنا مثل الصور والفيديو للمتوفي هي ليست الشخص نفسه بل مجرد ذكرياتي عنه بداخلي التي تجعل لهذه الصور او الفيديو او الاصوات معني بداخلنا .
    اعتقد ان تقبل فكرة الموت والخسارة والآلام والابتلاء سيكون افضل للنفس البشرية من محاولة الهروب من الاعتراف بها وهي حقائق لا مفر منها.
    وقد اكون مخطأ….

    إعجاب

    • معك في كل ما تقول، يبقى أن الناس مختلفون، في حالة هذه المرأة الأمر كان إيجابياً ومحدوداً بمرة واحدة، لكن لو تحول الأمر أنها تعيش في هذه البيئة الافتراضية في منزلها طوال الوقت، فهنا يصبح الأمر مشكلة.

      إعجاب

  2. شاهدت الفيديو مساء اليوم … تجربة مؤثرة حقاً .. وتشبيهك لها بمرآة هاري بوتر موفق .. الغالب أن الأم ستنكأ جراحها من جديد .. رؤية الإنسان لأحبائه شيء لا يمل منه فما بالك بالمتوفين منهم .. لو إنتشرت هذه التقنية ستجلب مشاكل نفسية كثيرة .. أبعد الله عنا وعنكم كل فتنة ومكروه .

    إعجاب

    • هذا ما أفكر به، لو انتشرت التقنية ما الذي سيحدث؟ لأن ما نراه هو أمر مؤقت ومحدود لكن عند انتشاره قد يصبح مهرباً من الحياة لا يقاوم وهذه مصيبة، البعض يهرب للهاتف فكيف بعالم يحيط بك وتضعه أمام عينيك؟

      إعجاب

  3. يا إلهي!
    صُدمت حقيقةً!
    لا أدري ما الفائدة من كل هذه المحاولات البائسة! لو أنهم يبذلونها في تقبل هذه الدنيا و ما فيها من الفقد لكان أفضل بكثير من العيش حياة زائفة مُصطنعة
    لا أجد في كل هذا سوا هروباً و إنكاراً لحقيقة
    الموت
    و حال الأم في الفيديو مُحزن بصراحة و لم أجد فيه أي شيء إيجابي :’)

    إعجاب

    • الأم كانت تشعر بالذنب لأنها ترى أنها قصرت في وقاية ابنتها من المرض، لو أجرت فحصاً مبكراً لربما عاشت البنت، وما حدث لها في الفيديو أعطاها فرصة أخيرة للحديث مع ابنتها افتراضياً وتقبل حقيقة أنها رحلت، هذا أمر إيجابي، لكن علينا أن نحذر لأن الناس مختلفون والبعض قد تكون ردات فعلهم سلبية.

      إعجاب

  4. شيء محزن أن يعيش اﻹنسان أسير ذكريات سيئة ومحزنة، النسيان هي من نعم الله على عباده، وقد سمعت أن اﻹنسان سُمّي إنساناً بسبب خاصية النسيان هذه. فبدلاً من العيش في الماضي والندم والحزن ننسى ونعيش الحاضر، كذلك المستقبل نحتاج أن ننساه وننسى مخاوفه المؤكدة وغير المؤكدة، اﻷفضل هو أن يعيش اﻹنسان لحاضره

    إعجاب

    • النسيان نعمة بالفعل، العالم الرقمي لا ينسى أو يتناسى، ذاكرة الإنسان لا تخزن كل شيء بل تجعل الذكريات تتلاشى ببطء وبعضها يبقى، العالم الرقمي إما يتذكر 100% أو يحذف 100%، لا توجد حالة وسطى، وهذا ما يناقشه البعض حول تأثير التقنيات الرقمية على الناس وما يحدث في الشبكة من نشر الصور والذكريات، ما أثر كل هذا؟

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.