
الحلاق واحد من الأماكن التي يمكن أن تصبح مركزاً اجتماعياً يلتقي فيه الناس ويتبادلون الحديث أثناء انتظار دورهم على كرسي الحلاق، هذا نادراً ما يحدث بالنسبة لي لسببين؛ الأول أنني أفضل الذهاب للحلاق في الصباح الباكر وأكون أول زبون في ذلك اليوم، والثاني أنني لا أذهب له إلا مرة كل شهرين أو ثلاثة أشهر، لكي يصبح الحلاق مكاناً اجتماعياً فهو يحتاج لأناس يذهبون هناك كل أسبوع، اليوم ذهبت بعد ثلاثة أشهر من آخر مرة ونظرة واحدة في المرآة تخبرني أنني سوفت الذهاب للحلاق طويلاً وأن علي أن أحلق شعر رأسي في أقرب فرصة.
اليوم ذهبت متأخراً ووجدت الحلاق مشغول مع شخص آخر، في مثل هذه الحالات أفضل ألا أتحدث مع الشخص على الكرسي لأنه في الغالب نائم أو شبه نائم، دعه يعيش بسلام في عالمه فالحلاق هو الفرصة الوحيدة للبعض لإيجاد وقت هادئ بعيد عن صخب الحياة اليومية، وأنا أنتظر جاء شاب وجلس بجانبي، شعر رأسه كان قصيراً جداً ومن الواضح أنه حلقه قبل أسبوع أو أسبوعين على الأكثر وليس هناك لحية فلماذا جاء؟ رأيت أن أقدمه علي لأنه في الغالب سيحلق شعر رأسه فقط وهذا سيكون سريعاً، أنا سأجلس على الكرسي لساعة وأكثر، سألته لم جاء؟ فأخبرني أنه يحلق للخدمة العسكرية، أخبرته أن يذهب قبلي لأنني سآخذ الكثير من الوقت.
سؤالي له كان الباب للمزيد من الحديث، الخدمة العسكرية ذكرتني بحصص التربية العسكرية في المدرسة الثانوية وأخبرته عن ذلك، في المرحلة الإعدادية كانت هناك حصص رياضة ثم في المرحلة الثانوية تلغى هذه الحصص للطلاب المواطنين الذين عليهم حضور حصص تربية عسكرية، الوضع تغير منذ ذلك الوقت فالمرحلة الثانوية أصبحت الآن أربع سنوات بدلاً من ثلاث وقسمي الأدبي والعلمي تغير اسمهما إلى العام والمتقدم وهناك حصص رياضة وليس تربية عسكرية، أخبرته أن اسم “عام ومتقدم” سيجعل من ينضم للعام يرى نفسه بنظرة دونية مقارنة بمن ينضم للمتقدم، تسمية الأدبي والعلمي أفضل في رأيي.
تذكرت أن هناك مدارس مختلفة في الماضي فقد كانت هناك مدرسة تجارية وصناعية وحتى زراعية وكل هذا بحسب ما أذكر ذهب ولم يعد ولا زلت أجد هذه غلطة، يفترض أن التعليم يتنوع أكثر قبل الجامعة ويتوجه المزيد من الطلاب للتعليم المهني، الحديث عن التعليم جرنا للحديث عن التوظيف والآن الأمور تغيرت أو تغيرت منذ سنوات عدة حيث التقدم للوظائف أصبح إلكترونياً بدلاً من أن يذهب الشخص بأوراقه لكل مؤسسة ثم يخبرونه أنهم سيتصلون ولا يأتي أي اتصال.
انتهى الحلاق من الزبون الذي كان كهلاً ولعله مصاب في رجله فقد كان يعتمد على عصا، جلس الشاب على الكرسي وعدت للنظر خارج الحلاق ونحو الشارع وتأمل المشهد الذي لا يتوقف، أناس يمشون وآخرون على دراجاتهم الهوائية وغير الهوائية، وسيارات لا تتوقف وأصحاب المحلات يخرجون ويعودون لمحلاتهم، أحدهم يرش الماء على الرصيف وأخمن أنه يريد تبريده لكن لا أدري إن كان هذا مجدياً تحت هذه الشمس الحارقة، توقفت سيارة بالقرب من الحلاق ونزل منها شاب، يعاني من إعاقة ذهنية وأخرى جسدية، دخل للحلاق وخلفه دخل حلاق آخر ويبدو أن هذا موعد لهذا الزبون.
بعد إثارة بعض الشغب جلس أخيراً على كرسي الحلاق الثاني، وقد كان قبل ذلك يلتقط الصور لنفسه وللمحل ثم وهو على كرسيه استدار نحوي ليلتقط صورة فنظرت نحوه مبتسماً ثم عدت لهواية تأمل الشارع، وقف مشى نحوي ماداً يده ليصافحني فصافحته وأنا أرد عليه السلام، هذا رسم ابتسامة عريضة على وجهه وجلس وهدأ حتى انتهى الحلاق من عمله وخرج بهدوء، كنت في ذلك الوقت على كرسي الحلاق الآخر الذي يحرص على إتقان عمله والتدقيق على كل التفاصيل، كنت أتضايق من ذلك في الماضي لكن الآن أقبله وأفهمه، الحلاق يريد أن يكون فخوراً بعمله، وهذه فرصة لي لكي لا أمارس أي شيء سوى الجلوس.
أردد أنني لا أحب الحلاق لكن عندما أكون هناك أتمنى ألا أخرج، هناك أجد الهدوء النادر الذي أبحث عنه، حتى مع تشغيل الحلاق للتلفاز وحديث الناس مع بعضهم البعض أجد هذه البيئة هادئة ومختلفة عن ضوضاء كل شيء في الخارج، ربما علي الذهاب إلى هناك كل أسبوع لكن ما الذي سأفعله هناك؟ شعر رأسي لا ينبت بسرعة كافية لتبرير زيارة الحلاق كل أسبوع.



لعبة أخرى من استوديو أمانيتا (







