
أزو حسوب I/O بين حين وآخر وأقرأ العناوين وبعض المواضيع، بالأمس رأيت سؤال عن مستقبل الهاتف الذكي ولدي بعض الأفكار، كنت سأكتب رداً في الموضوع لكن رأيت أن أكتبه هنا لأن رداً قصيراً لا يكفي. يمكن توقع المستقبل بطريقتين: مستقبل واقعي ومستقبل أريده.
(1)
توقع المستقبل الواقعي ممل، الهواتف الذكية ستسمر في التحسن التدريجي، كل جيل جديد منها أفضل بقليل من سابقه، كاميرا أفضل، معالج أسرع قليلاً وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، البطاريات قد تجد تقنية جديدة ترفع كفاءتها وتمكن الهواتف من العمل لأيام دون شحن، لكن في النهاية هذا لن يغير الكثير، الهاتف الذكي لم يتغير في أساسه منذ ظهور آيفون الأول، شاشة كبيرة تأخذ معظم وجه الجهاز، نظام تشغيل بواجهة تعمل باللمس وتوفر إمكانية تثبيت التطبيقات والواجهة هنا أساسها التطبيقات.
شاشة أفضل أو شفافة لن تغير الكثير، كاميرا أفضل لن تغير شيئاً فهناك كاميرات أفضل تسمى … كاميرات وربطها بالهاتف قد يكون عملياً أكثر من محاولة صنع هاتف ينافس الكاميرات الكبيرة، مساحة أكبر للذاكرة أو للتخزين لن تغير شيئاً، واقعياً يمكن للشخص أن يشتري هاتفاً ويبقى معه لخمس سنوات على الأقل دون أن يفقد شيئاً بسبب عدم شراء أحدث هاتف، لأن الهواتف وصلت مرحلة من الثبات ولم يعد هناك تغيير جذري جديد، صنع هواتف تطوى ليس تغيير كبيراً.
هذا ما حدث مع الحواسيب الشخصية ومنذ وقت طويل، حواسيب اليوم مواصفاتها أفضل لكنها ما زالت تعمل مثل حواسيب صنعت قبل ثلاثين عاماً، وهذا ما أتوقع أن يكون عليه مستقبل الهواتف الذكية.
(2)
ما هو المستقبل الذي أريده شخصياً؟ دعني أتحدث أولاً عن محبي التقنيات الرقمية فهؤلاء (وأنا منهم) يحبون الأجهزة الرقمية ويرون في الأجهزة نفسها متعة وبعضهم يظن أن الآخرين يشاركون معهم نفس الشعور وهذا غير صحيح، علينا أن ندرك بأن معظم الناس لا يستخدمون الهواتف لأنهم يحبونها بل لأنهم مجبرون عليها أو يستخدمونها لأن الجميع يستخدمها، لو كان لديهم خيار لتخلوا عن الهاتف.
الحياة بدون هاتف ذكي تصبح صعبة حقاً في مجتمعات عديدة وتزداد صعوبة بمرور السنوات مع اعتماد المؤسسات الحكومية والخاصة على الهاتف كوسيلة وحيدة لتقديم خدماتها وإن لم يكن الوسيلة الوحيدة فالوسيلة الأسهل وأي وسيلة أخرى تكون أصعب لأن المؤسسات تريد من الناس استخدام الهاتف.
لنتذكر أن الهاتف أو الحاسوب ليس غاية بل وسيلة، لماذا نستخدم هذه الأجهزة؟ لنفعل الكثير، المستقبل الذي أريده هو أن يتمكن الناس من فعل ما يريدون دون الحاجة للهاتف الذكي، من يهتم بمجال واجهات الاستخدام ففي الغالب لديه اطلاع على فكرة أن الواجهة الأفضل هي عدم وجود أي واجهة، بمعنى أن الهاتف الذكي الأفضل هو عدم الحاجة للهاتف الذكي، أعلم أن هذا غير عملي حالياً لكن يمكنني تخيل عالم يمكنه أن يعمل بدون هاتف ذكي وهو ما أتمناه.
محبي التقنية عليهم عدم تجاهل سلبيات الهواتف الذكية أو أي أجهزة رقمية أخرى، كونك تحب التقنية يجب ألا يعميك عن مشاكلها، ولا تظن أن الهاتف مجرد أداة محايدة فهذا غير صحيح، التقنية ليست شراً ولا خيراً وليست محايدة كذلك.
(3)
ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟ عن الواقع الافتراضي أو الواقع المحسن؟ ماذا عن ما يسمى البلوكتشين والعملات الرقمية؟ كل هذه التقنيات تجعلني أسأل: لماذا؟
دعني أسأل بطريقة أخرى: تصور أن العالم فقد كل المعرفة حول هذه التقنيات ونسيناها كلياً، هل سنفقد شيئاً؟
حالياً الناس لديهم كل التقنيات والأدوات التي يحتاجونها للوصول لحياة طيبة مريحة، المشاكل التي يواجهها العالم ليست تقنية بل سياسية واقتصادية واجتماعية وهذه لن يحلها حاسوب أو هاتف ذكي أو ذكاء اصطناعي أو أي شخص من وادي السيليكون، بل على العكس هناك مشاكل صنعتها التقنية ولن يحلها مزيد من التقنية.
ظهور أي تقنية ووجود ضجة حولها لا يعني أن علينا استخدامها، يمكننا تجاهلها والانتظار حتى تصبح تقنية جيدة، الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي كلاهما قديم والوعود بأن التقنية ستكون جاهزة قريباً قديم كذلك ويعود لأكثر من ثلاثين عاماً للواقع الافتراضي وأكثر من خمسين عاماً للذكاء الاصطناعي، قد تقول بأن الآن لدينا قوة المعالجة القادرة على تحقيق الفكرة وهذا بالضبط ما قاله أناس في الماضي، ما المختلف اليوم؟
مشكلة أخرى للذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة وتقنيات البلوكتشين بأنها تستهلك الكثير من الطاقة، هذا بالإضافة إلى البنية التحتية للكثير من الخدمات تتطلب مراكز بيانات كبيرة تستهلك الكثير من الطاقة والماء، العالم بحاجة لتقليل الاستهلاك وهذا يشمل التقنية.
أدرك بأن كل ما أقوله هنا مثاليات وأن محبي التقنية سيتجاهلون هذا الكلام فأنا لا أقول جديداً هنا فقد قاله قبلي آخرون.