
(1)
ما يسمى اليوم ذكاء اصطناعي يفترض أن يسمى نموذج لغوي كبير لأنه محرك ابتلع كل النصوص والصور والبرامج وأي مواد أخرى ويعطيك خليط من كل هذا، أحياناً هذا الخليط يحوي معلومات خطأ مثل إضافة الصمغ للبيتزا وأكل الأحجار، هذا لم يمنع الناس من استخدام الخدمات للبحث عن صديق أو نصيحة طبية تكون نتائجها أحياناً قاتلة وتتبرأ الشركات من المسؤولية تجاه هذه الأدوات التي طوروها.
هناك طيف من الآراء حول الذكاء الاصطناعي من القبول التام وحتى الرفض الكلي، أنا على جانب الرفض بنسبة 98% وأترك 2% لأي احتمال لوجود فائدة فعلية لهذه التقنية، الترجمة مثلاً مثال جيد وتعتمد على فكرة التعلم العميق والتعلم الآلي، هل تذكر هذه المصطلحات؟ في وقت مضى كان الذكاء الاصطناعي يروج له على أساس هذه التقنيات والنتيجة خدمات مثل مترجم غوغل، واحد من أفضل خدمات غوغل ولا زلت أستخدمها.
الذكاء الاصطناعي الحالي المعتمد على نماذج لغوية كبيرة يحتاج للكثير من الطاقة والماء والدول حول العالم تتسابق لصنع مراكز بيانات لا يمكن تزويدها بالطاقة بسهولة وشركات التقنية تضع عبء تكاليف الطاقة على الناس الذين يسكنون بالقرب من مراكز البيانات.
لا أريد تحويل هذا الموضوع للحديث عن مشاكل الذكاء الاصطناعي فهناك الكثير وأنت في الغالب تعرفها، الآن أضف لها مشكلة أخرى: الذكاء الاصطناعي حل لكل مشكلة.
(2)
الحواسيب تبرمج وهذا ما يجعلها مختلفة عن كل وسائل الإعلام والاتصال الأخرى، لكن البرمجة ليست سهلة لذلك كانت هناك محاولات عدة لتبسيط البرمجة على غير المبرمجين، ما يروج له البعض الآن هو استخدام الذكاء الاصطناعي للبرمجة من قبل غير المبرمجين ويصفون هذا بأنه “تمكين” للمستخدم، خدمات الذكاء الاصطناعي تستطيع أن تصنع برامج لكن لن تستطيع أن تجعلك تفهم كيف يعمل البرنامج في حال حدث خطأ أو مشكلة ما أو لم يعمل البرنامج كما ينبغي.
محاولات تبسيط البرمجة لغير المبرمجين بدأت منذ الخمسينات على الأقل لكن لن أتحدث عن كل مشروع منذ ذلك الوقت، أبدأ بلغة بيسك (BASIC) التي طورت في 1964 وأول حرف منها يعني مبتدأ، اللغة طورت على أساس أن تكون سهلة لطلاب المجالات غير العلمية، اللغة لاحقاً أصبحت الخيار التلقائي للحواسيب المنزلية التي لم تكن تحوي أنظمة تشغيل بل لغة برمجة بيسك هي النظام البسيط وهي أداة البرمجة، الحواسيب كانت تأتي مع كتب برمجة كذلك، لأن الجهاز بدون برامج ويتوقع من المالك أن يصنع برامجه بنفسه، هذا ما دفع بمجلات الحاسوب لنشر برامج كتبها قراء المجلة ويمكن لأي شخص أن ينسخها لحاسوبه.
لغة بيسك استخدمتها مايكروسوفت منذ بدايتها كأول منتج وكبيئة برمجة استخدمت في ويندوز، مايكروسوفت طورت فيجوال بيسك كبيئة برمجة يمكن تعلمها بسهولة واستخدامها لصنع برامج جيدة وصنع برامج خاصة للفرد أو المؤسسة، فيجوال بيسك 6 طرحت في 1998 وتوقفت مايكروسوفت عن دعمها في 2008 ومع ذلك ما زالت تستخدم إلى اليوم، هناك من طور برنامج رسم ممتاز باستخدام فيجوال بيسك، البديل الذي طرحته مايكروسوفت لم يعجب الكثيرين لذلك لم ينتقلوا له.
أبل حاولت تبسيط البرمجة لغير المبرمجين باستخدام برنامج هايبركارد (HyperCard) وقد تحدثت عنه مرات عدة وأريد تخصيص موضوع أو أكثر له، هايبركارد طوره اثنان في أبل وطرح في 1987 بسعر 40$ دولار لمن اشترى حواسيب ماكنتوش قبل طرحه، أي شخص اشترى ماكنتوش بعد طرحه سيجد البرنامج مثبت تلقائياً في النظام ومجاناً ومع دليل استخدام، البرنامج يبسط عملية إنشاء البرامج باستخدام واجهة سهلة ولغة برمجة خاصة.
الناس استخدموه لصنع الكثير من البرامج، من الألعاب البسيطة وحتى برامج لإدارة مؤسسة، هايبركارد كان يقدم قاعدة بيانات ولغة برمجة وبرنامج رسم وفوق كل هذا خاصية النص المترابط، هذه الأدوات يمكن استخدامها لصنع ما يريده المستخدم.
سكراتش (Scratch) لغة وبيئة برمجية حديثة تبسط البرمجة وتستحق موضوع خاص لها، وهناك مشاريع أخرى حديثة مماثلة لمجالات عدة، أردوينو مثلاً لغة برمجة وجهاز إلكترونيات لتبسيط صنع أجهزة إلكترونية وفكرتها تقوم على أساس لغة برمجة اسمها Processing.org صممت لتكون لغة برمجة بسيطة وفنية.
مايكروسوفت كانت تقدم قوالب لبرنامج قاعدة البيانات آكسس وسبق أن كتبت عن ذلك، القوالب لقواعد البيانات والجداول الممتدة طريقة لتبسيط البرمجة على غير المبرمجين، وهذا موضوع آخر يستحق أن أكتب عنه بالتفصيل.
هذا قليل من كثير، تمكين غير المبرمجين من البرمجة لا يحتاج لمركز بيانات يستهلك طاقة مدينة بأكملها، هناك أساليب عدة لذلك أبسط وأفضل:
- طور أدوات برمجة مناسبة لعامة الناس مثل هايبركارد أو فيجوال بيسك.
- ضعها في نظام التشغيل فلا يحتاج أحد لتثبيتها.
- وفر مشاريع جاهزة وقوالب ودليل استخدام.
- الويب يمكن استخدامها ليساعد الناس بعضهم البعض ويتبادلون المعرفة والملفات.
لكن أدرك أن هذا النموذج من الحوسبة خرج ولن يعود، الأموال التي تنفق على الذكاء الاصطناعي تجعل كل خيار آخر غير مرغوب فيه.
(3)
الذكاء الاصطناعي يتحول الآن لإجابة لكل شيء، بدلاً من الاستثمار في أبحاث واجهات استخدام تستثمر الشركات في الذكاء الاصطناعي ليصبح الواجهة الوحيدة، متصفحات الذكاء الاصطناعي تتصفح الويب نيابة عن المستخدم، بدلاً من تقديم صفحات تقدم إجابات، الحكومات تريد أن تجعل الذكاء الاصطناعي الوسيلة لتقديم خدماتها بدلاً من تحسين مواقعها وتطبيقاتها.
بمعنى آخر: الذكاء الاصطناعي يخنق كل شيء آخر، لذلك أنتظر اليوم الذي ستنفجر فيه هذه الفقاعة وتضيع الاستثمارات على أمل أن هذا سيعيد بعض التوازن لصناعة الحاسوب.
من يستعمل الذكاء الصناعي في البرمجة يجب أن يكون متمكنا منها، فقط يقوم بالبحث والإقتراح ، كأنه مكتبة كبيرة… طبعا عدى عن سعر الإشتراكات المكلفة
صحيح، هذا ما يفترض أن يحدث، الناس يستخدمون الذكاء الاصطناعي ليفكر نيابة عنهم وهذه مصيبة.
أود تصحيح معلومة حول جهاز أردوينو أنه منصة قابلة للبرمجة، وأما البرنامج المسمى Arduino فهو أداة تطوير لمنصة اﻷردوينو، ولغة البرمجة المستخدمة هي لغة سي، وربما هناك لغات أخرى.
بالنسبة لفقاعة الذكاء الاصطناعي ننتظرها بداية العام المقبل ويمكن أن تؤثر على اقتصاد أمريكا، وسوف تؤثر على الشركات الكبرى، لكن هذا لا نتوقع أن يوقف الذكاء الاصطناعي، بل سوف يضعه في مكانه الحقيقي بأن يكون أداة مثله ومثل محركات البحث، وأن يتوقف عند هذا الحد التقني له، لا نتوقع نجاح ما يُعرف بال agentic AI
كان علي التوضيح، بيئة البرمجة من Processing.org استخدمت في أردوينو، لغة البرمجة التي يدعمها أردوينو هي كما ذكرت سي، ويدعم كذلك بايثون ومكروبايثون.
تمكين المستخدمين ليصبحوا مبرمجين عن طريق الذكاء الصناعي هو وهم كبير ساهمت الشركات والكثير من صنّاع المحتوى بتكريسه .. ما يقوم به الذكاء الصناعي هو العمل عن المستخدم وهو عمل غير مكتمل ويفتقد للسياق مهما كتب المستخدم وشرح له .. تمكين البرمجة كما ذكرت يقوم بإتاحة تعلمها وتسهيل أدواتها والفصل بين البرمجة للأغراض الشخصية وهذا مجال غير مدعوم للأسف بشكل متعمد وبين البرمجة الانتاجية بهدف كسب المال.
عدم وجود سياق هو بالضبط مشكلة الذكاء الاصطناعي، الحوسبة لأغراض شخصية مجال أريد التركيز عليه حتى لا ينسى الناس أن حواسيبهم بإمكانها فعل الكثير بدون خدمات تحتاج لاشتراك.
اشكالية إضافية ليس لها علاقة بالبرمجة، في مجالنا أصبح عدم استخدامك للذكاء الاصطناعي في عملك يدل على تخلفك عن الركب، وعن أنك لا تقدم شيئًا إضافيا، فيجب طوال الوقت العمل؛ وكأن الذكاء الاصطناعي هو المركز الذي نبني عليه كل مهامنا وأفكارنا!
تسويق الذكاء الاصطناعي موجه للمدراء بوعد أنه سيرفع الكفاءة ويزيد الإنتاجية ويقلل التكلفة، هذا مصباح علاء الدين وليس حاسوب! مدير غوغل السابق أيرك شميدت يعترف أن الذكاء الاصطناعي يحل أهم مشكلة تواجه الشركات وهي الرواتب، الهدف هو التخلص من الموظفين.