الشاشة والماشوة وذكريات تتلاشى

صناعة السفن الخشبية في الإمارات تعتمد كلياً على استيراد الخشب من الهند وربما بلدان أخرى، ما زالت هذه السفن تصنع إلى اليوم فهناك قوارب شراعية تستخدم للسباقات وهذه جوائزها كانت مبالغ نقدية كبيرة وسيارات كذلك ولا أدري كيف هو الوضع هذه الأيام، وهناك قوارب الصيد  وبعض الناس يصنعون قوارب للنزهة قد تحوي غرف مكيفة.

كنت في واحد منها في صيف ما مع العديد من الناس، ازدحام الغرفة المكيفة جعلني أخرج للنوم في الخارج في الحر والرطوبة في منتصف شهر يوليو، في مثل هذا الجو كان الرجال ينامون كل ليلة ولأربعة أشهر في موسم الغوص، التعويض كان الهدوء التام ثم فرصة واحدة في العمر لرؤية السماء دون تلوث ضوئي، رأيت المجرة في السماء لأول وآخر مرة في حياتي، والبحر كان هادئاً كالمرآة ويعكس هذا المنظر البديع.

سكان سواحل الجزيرة العربية صنعوا القوارب حتى بدون خشب الهند، قوارب صيد  صغيرة تستخدم لمسافات قصيرة، تصنع من سعف النخيل وتحشى بكرب النخيل وتستخدم حبال من ليف النخل لربط السعف، تسمى في عُمان والإمارات الشاشة ويمكن صنعها في أيام قليلة وتدوم لسنوات وما زالت تستخدم حتى اليوم في بعض مناطق الإمارات وبلدان أخرى ويعاد تصنيعها كنوع من حفظ التراث.

كتاب رقمي مجاني: قارب الشاشة وطرق الصيد، كتاب قصير أنصح بقراءته.

صورة التقطتها لقارب الشاشة في سوق أبوظبي المركزي، القارب هنا نوع من الزينة:

Boat - قارب

⛵︎ ⛵︎ ⛵︎

كنت أفكر في الماضي البعيد وكيف أنه يجد حقه من الحفظ بالكتب وبتوثيقه بالصوت والصورة وتوثيق عملية صنعه، بينما الماضي القريب يمكن أن يضيع بسهولة، ما سأتحدث عنه ليس مهارة ضائعة لأن صنع قوارب من ألياف الزجاج منتشرة حول العالم وعدة شركات حول العالم تصنع محركات القوارب، فلا خوف من ضياع هذه الصناعة لكن ما يضيع هي الأماكن وذكريات الناس المرتبطة بها.

لفترة قصيرة منذ نهاية الثمانينات وحتى أواخر التسعينات كان هناك نشاط اجتماعي في المنطقة التي كنت أعيش فيها (البطين في أبوظبي) يدور حول البحر، أهل أبوظبي لديهم ارتباط عميق بالبحر فهو مصدر الرزق الأساسي في الماضي وحتى بعد النفط الناس لم يتوقفوا عن الذهاب للبحر لصيد السمك وللنزهة، لذلك لا عجب أن يكون البحر أو ميناء الصيادين مكاناً ثالثاً للقاء الناس بعيداً عن المنزل أو مقرات العمل.

في ذلك الوقت المكان كان عشوائياً فأي شخص يمكنه شراء قارب ووضعه حيث يشاء، كانت هناك مطاعم هندية عديدة وورشتي صناعة قوارب وسفن تقليدية، كان هناك مسجدان كما أذكر وكانت المساحة بين الورش والمطاعم أشبه بالمتاهة أو هكذا أتخيلها الآن، ذاكرتي عن المكان تتلاشى ولا أعرف كيف أجد صورها، لا شك أن هناك من صورها، سبق أن وضعت رابط لسائح صور المنطقة وخصوصاً ورشة صناعة السفن.

كنت أزور المنطقة يومياً مشياً أو بدراجة هوائية، كنت أهرب من المدرسة أو حتى لا أذهب للمدرسة بل أذهب إلى هذا المكان لأتجول، لأرى الصيادين يعودون بصيدهم وأرى عملية البيع والشراء هناك التي تنجز في وقت سريع وبدون تنظيم مسبق، وكان هناك مكان نجتمع فيه وأجد من يسألني “ما رحت المدرسة اليوم؟” دون أن يأمر بأن أذهب للمدرسة، وأحياناً لا أحد يعلق بل يتجاوزون ذلك إلى الحديث عن أي شيء آخر، القوارب ومحركاتها والصيد والسوق ثم قد يقترح أحدهم أن نذهب للمطعم الهندي، خمسة أشخاص يأكلون بتكلفة عشرين درهماً، هذه تكلفة كوب قهوة الآن.

في فترة بدأ البعض في شراء قوارب محددة من مصنع واحد، القوارب طولها 9 أقدام وتحديد أحجام القوارب بالقدم بدلاً من متر شيء استغربته في ذلك الوقت وحتى اليوم، كانوا يضعون عليها محركاً بقوة 15 حصان ولك أن تتخيل أداء هذه القوارب الصغيرة الخفيفة، كانت تخيفني وإن لم أعترف بذلك في الماضي.

بحثت عن القارب وأنا متأكد أنني لن أجده لكن وجدت واحداً بتصميم مماثل ومحرك 15 حصان:

القارب بسيط من الداخل فهناك مساحة في الخلف يجلس عليها من يقود القارب ومساحة أمامه لوضع خزان الوقود ثم كرسي آخر يجلس عليه شخص ثاني وربما ثالث ولا يتسع القارب للكثير، من كان يشتريها كانوا مراهقين لذلك استخدامهم الأساسي كان النزهة مع بعض الصيد، ومع ازدياد أعدادها بدأ أحدهم تنظيم سباقات لها.

كانت القوارب لها ألوان مختلفة لكن كلها بمحرك 15 حصان وقارب بهذا الحجم سيكفيه محرك من 5 حصان أو أقل، أذكر هذه السباقات وقد صورت أحدها بالفيديو، القارب الكبير الذي كنت أقف عليه كان سائقه يقوده بسرعة عالية لكي يلاحق القوارب الصغيرة.

نظمت مسابقات صيد أسماك كذلك وكما ذكرت سابقاً المنطقة كانت عشوائية وتنظيم هذه الأنشطة كان غير رسمي (لن أقول عشوائي!)، ولا أذكر أن هناك جوائز لهذه المسابقات إلا ربما كأس رمزي صغير، الجائزة لم تكن الأهم بل التنافس وقضاء وقت ممتع في البحر.

واحد من هذه القوارب الصغيرة كان مميزاً لأن صاحبه وضع له قمرة صغيرة عليها مقود وبجانبه جهاز التحكم بالسرعة، هذا يعطي السائق تحكم أفضل بالقارب ورؤية أفضل لأن الجلوس في الخلف يعني أن مقدم القارب يحجب الرؤية أحياناً خصوصاً على السرعات البطيئة.

هذه القوارب تسمى ماشوة وهي كلمة فارسية تعني قارب صغير وغالباً بدون محرك، أحد الأصدقاء كان يملك ماشوة من صنع ياماها بطول 15 أو 17 قدم، أذكر أنني أخبرته بأنه إن أراد بيعها فعليه أن يخبرني أولاً لأنني أنوي شرائها لكنه باعها دون إعلامي بذلك ولا زلت إلى اليوم أتسائل ما الذي سيحدث لو امتلكتها؟

⛵︎ ⛵︎ ⛵︎

ميناء الصيادين زال من الوجود، المكان بعشوائيته زال أو بالأحرى أزيل لكي ينظم وينظف ويصبح “مارينا” يؤجر مساحات للقوارب، المطاعم اختفت، الورش نقلت لمنطقة أخرى أو اختفت كلياً (لا أدري ما مصيرها)، هناك مقهى حديث وهناك متحف، المكان الآن يبدو مختلفاً تماماً وأكرهه من أعماق قلبي، سبق أن كتبت عن ذلك، تمضي سنين بدون زيارة المكان ثم أزوره على أمل أنني سأقبل ما حدث له لأجد مشاعري السلبية تجاهه تزداد قوة.

ذكريات المكان ما زالت حية لمن عاصرها وبرحيلهم ستموت ذاكرة المكان كلياً، هل يستحق كل مكان أن نحفظ ذكرياته؟ لا شك لدي أن كل مدينة تحتاج للتجديد وحفظ بعض القديم حتى لا تتلاشى ذاكرتها، لكن من يقرر ذلك؟

أما النشاط الاجتماعي غير الرسمي فقد كان ظاهرة محدودة بالمنطقة وكان رجل واحد هو أساس هذا النشاط فهو الذي بادر بتنظيمه وله فضل علي وعلى كثيرين في المنطقة، هذا النشاط أصبح رسمياً بعد ذلك ولعدة سنوات ثم توقفت المؤسسة وبتوقفها أغلق المكان الذي كان يجمع الناس وشخصياً فقدت المكان الوحيد الذي جعلني أتواصل يومياً مع الناس، لم أكن يوماً ممن يحب المجالس، أفضل العمل التطوعي كوسيلة للتواصل الاجتماعي.

1 thought on “الشاشة والماشوة وذكريات تتلاشى

  1. في الماضي كانت المساحة العامة مشاع، اليوم المساحة العامة ملك للبلدية، لذلك التنظيم اختلف بين الماضي و الحاضر، اليوم المساحة تخطط و تنظم على رسومات و مسطرة، بينما في السابق كان الفهم العام كاف لأن يأخذ كل شخص نصيبه، في السابق كان الإنسان يستخدم البيئة بما يناسبه، أما اليوم فالتنظيم البلدي هو ما يحكم. السباقات سابقاً كانت نشاط اجتماعي، أما اليوم فهي نشاط احترافي.
    مع اعتدال الجو في أبوظبي بإمكانك ممارسة هواية ركوب الدراجة الهوائية و اكتشاف المناطق و التغيير الحاصل عوضاً عن استخدام السيارة، أو التخييم و دعوة الغير لزيارتك في خيمتك البسيطة لمشاهدة النجوم و استنشاق هواء الطبيعة بدل هواء المدن الملوث.

Comments are closed.