
(1)
إن كان هناك ثابت مشترك بين الشركات التقنية الكبيرة فهو قدرتهم وجرأتهم على فعل ما في مصلحتهم وقد يؤذي المستخدم ويصفون ما يفعلونه بالتقدم أو الثوري ويخبرون الناس أن هذا التغيير سيرفع من إنتاجيتهم أو سيكون في صالحهم، وعندما تجد الشركة ردة فعل سلبية وعالية الصوت فغالباً لن تتراجع عما تنوي فعله بل تؤجله وتقول بأنها استمعت لآراء الناس ثم تفعل ما هددت بفعله بهدوء على أمل ألا ينتبه أحد، أو تفعل شيء مماثل بطرق أخرى.
مؤخراً مايكروسوفت أعلنت عن مصيبة جديدة في نظام تشغيلها وهي خاصية تسجل ما يفعله المستخدم وتصنع له تاريخاً يمكن أن يعود له، من يقرأ عن واجهات الاستخدام وأبحاثها سيعرف أنها فكرة قديمة وجيدة لكن التطبيق هو المشكلة، وهذه ليست المحاولة الأولى من مايكروسوفت فقد كانت هناك خاصية مماثلة في ويندوز 10 وحذفت في 2021، لكنها كانت خاصية أبسط من ناحية أنها تعرض آخر الملفات التي حفظها المستخدم وتتضمن ما بحث عنه في متصفح إيدج.
الخصوصية والأمن هي المشكلة الأساسية لما تحاول مايكروسوفت فعله، معلومات حساسة تسجل في ملف نصي غير مشفر عندما يستخدم الشخص جهازه، وإن كان هناك برنامج خبيث يسرق البيانات بإمكانه سرقة البيانات ببساطة من الملف النصي. ثم غيرت مايكروسوفت رأيها حول الخاصية ولن تفرضها على الجميع، فقط من يريدون الخاصية سيشغلونها باختيارهم.
بالطبع عليك أن تتذكر تاريخ مايكروسوفت مع تحديثاتها لنظامي 10 و11 وتتذكر أنها تعيد تفعيل بعض الخصائص التي حذفها أو أوقفها المستخدم دون أن تطلب الإذن من المستخدم، لا شيء سيمنع مايكروسوفت من تشغيل الخاصية دون علم المستخدم.
أدوبي من ناحية أخرى غيرت شروط الاستخدام لخدماتها وأشعلت غضب الكثيرين، الشروط تقول بأن أدوبي يمكنها الوصول لمحتوى ملفات المستخدمين المحفوظة في مزوداتها، والوصول للخدمة يحتاج موافقة المستخدم على هذه الشروط، بعد ذلك وضحت أدوبي هذه الشروط لتؤكد أنها لا تتجسس على الناس، المشكلة دائماً ستكون الثقة التي فقدها الناس ولن تستعيدها أدوبي مهما فعلت.
(2)
هناك ثابت آخر مشترك بين الشركات التقنية الكبيرة، وهي أنها بالتدريج تغير الأشياء لصالحها وإن لم يكن هذا في صالح الناس، لكن الناس بالتدريج يقبلون بالواقع الجديد لأنهم مضطرون لذلك، يحتاجون هذه الأدوات لأعمالهم اليومية وكسب الرزق، من الصعب الانتقال لأداة مختلفة، الأفضل البقاء والتعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته الشركة، لكن نعلم من تجربة أن الشركات لن تتوقف وستحاول دائماً اختبار حدود الإساءة، كلما مشت خطوة سيضجر الناس وترتفع أصواتهم بالشكوى ثم لا يحدث شيء.
توقف شخص عن استخدام خدمات الشركة لا تشعر به هذه الشركات الكبيرة، لذلك يرى البعض أن الضغط من خلال الشبكات الاجتماعية ورفع الصوت وإزعاج حسابات الشركة بالشكوى هو الوسيلة الوحيدة للتغيير، والشركات تستمع لمثل هذا الإزعاج لكنها لا تتغير، فقط تغير أسلوب تطبيق ما تريده، بدلاً من فرض التغيير علناً تفعل ذلك بهدوء، بدلاً من تطبيق الفكرة الآن تؤجلها لبضعة أشهر لأن انتباه الناس الآن يقاس بالثواني وشكراً للشبكات الاجتماعية.
أنت كفرد تستخدم خدمات وتطبيقات الشركات التقنية عليك أن تفكر بعلاقتك معها على أنها علاقة سيئة وأن الشركة لن تتوقف عن الإساءة لك ما دمت تسمح لها بذلك، عاجلاً أو آجلاً عليك قطع العلاقة والبحث عن حل آخر.
كلما ظهرت مشكلة بسبب الشركات التقنية أجد مستخدمي لينكس يخبرون الآخرين بأن لديهم خيار استخدام لينكس، وهذا صحيح أحياناً، بعض الناس مضطرون لاستخدام ويندوز لأن شركاتهم تفرضه عليهم.
مع ذلك أود منك أن تفكر – فقط تفكر! – في البدائل وإمكانية استخدامها، اكتب قائمة للبدائل … توقف عن قراءة هذا الموضوع وافعل ذلك الآن، مثلاً هل تستخدم تطبيقات الويب فقط؟ بإمكانك أن تستخدمها من أي نظام تشغيل وهذا يعني إمكانية الانتقال إلى لينكس أو ماك، لا أقول انتقل بل فكر فقط بالأمر.
افعل ذلك مع كل تطبيق، فكر في إمكانية استبداله وهل هذا عملي أم لا وما الذي سيقف عقبة أمام التغيير؟ لا زلت في مرحلة التفكير، لن تغير شيئاً، لكن ماذا بعد التفكير؟ لا أدري! عليك أن تقرر بنفسك.
(3)
شاهد: ردة فعل مضادة لمراكز البيانات، الشركات التقنية جائعة وتريد المزيد من البيانات والمزيد من مراكز البيانات وهذا كله لتشغيل محركات الذكاء الاصطناعي، هذا يتطلب الكثير من الطاقة والماء لتبريد مراكز البيانات، الناس الذين يعيشون حول هذه المراكز يعانون بسببها، شيء لن تشعر به وأنت تستخدم خدمات الذكاء الاصطناعي.
من ناحية أخرى شركات التقنية تحاول أن تقنع الناس والحكومات على أنها تستخدم الطاقة النظيفة أو تساهم في مشاريع التشجير كنوع من الدعاية وتحسين صورتها في حين أن مشاريع الشجير ليست إيجابية عندما يتعلق الأمر بالشركات التقنية الكبيرة، بدلاً من محاولة التقليل من استهلاكهم للموارد والطاقة يتجهون لحلول أثبتت عدم فعاليتها عملياً لكن أثبتت فعاليتها إعلامياً، من يريد أن يقف ضد مشروع زراعة الأشجار؟
نقطة أخرى: مخاطر الذكاء الاصطناعي الحالية مقابل المخاطر المتخيلة، الذكاء الاصطناعي حالياً يستخدم في عدة دول لأغراض مختلفة وهناك عدة مخاطر:
- العدو الصهيوني يستخدمه في مذبحته.
- الصين تستخدمه للتمييز ضد الإيغور.
- الذكاء الاصطناعي يميز ضد الأقليات، بسبب البيانات التي استخدمت لصنعه.
- صنع المحتوى التافه والكاذب والمضلل، أو المحتوى الضحل لصنع مواقع هدفها بيع الإعلانات، أو صنع مزارع المحتوى المزيف.
- الخصوصية، لأن محركات الذكاء الاصطناعي سرقت المحتوى من الشبكة ولأن الشركات تحفظ محتويات الناس في مزوداتها ويمكنهم الوصول لها.
- استبدال العمالة بالذكاء الاصطناعي، هذا حلم الرأسماليين، لو كان بإمكانهم استبدال كل العمالة الرخيصة لفعلوا ذلك، لكن العمالة الرخيصة حالياً أرخص من الآلات والذكاء الاصطناعي، لكن هناك قطاعات أخرى ستتأثر مثل صناعة المحتوى، الكتابة والرسم والتصوير كلها مجالات تريد شركات التقنية أن تغيرها أو تستبدلها كلياً.
ماذا عن الذكاء الاصطناعي خارق الذكاء الذي سيستيقظ يوماً ويشعر بالإدراك الذاتي؟ هذا لن يحدث، الذكاء الاصطناعي ما هو إلا قاعدة بيانات ضخمة، يفترض أن نهتم بالمخاطر الحالية والواقعية.
(4)
كنت أود كتابة موضوع قصير لكن هذا يحتاج للكثير من الوقت لذلك أكتب هذا الموضوع الطويل، يوم السبت جعلته يوماً لمنوعات خفيفة أتحدث فيه عن أشياء طريفة لكن تباً للتقنية، كان علي أن أهتم بالزراعة والتصميم الداخلي وأنسى التقنية كلياً.
بالنسبة لنا كبالغين الحل بسيط للأمانة يتطلب بعض الجهد و الإنفصال عن الشبكة, استخدام أدوات مفتوحة المصدر أو مكركة (لهذه الشركات اللطيفة) و الإنفصال عن سيرفراتهم وخدماتهم تماماً. الامر يتطلب بعض البحث والجهد.
حزني وخوفي على الجيل الجديد, على إبنتي ذات العام والنصف, ستتغول الشركات أكثر,والحكومات, وستراقب وتخزن كل كلمة تقولها على الشبكة او حتى حول أي جهاز تستخدمه, اعتقد أن في زمنها حتى المايكرويف سيكون ذو سماعات تسجل كلماتك “حتى يعطيك أفضل خدمة ممكنة”
يجب أن يعود الإنترنت مكاناً نزوره عندما نريد, كالمكتبة, لا كبلاً متصلاً برؤوسنا يراقب أنفاسنا.
ما تقوله في آخر جملة يحتاج لموضوع، شخصياً كتبت سابقاً أنني أفضل الأسلوب القديم للاتصال بالشبكة وهو الانقطاع عنها والاتصال بها في وقت الحاجة، هذا كان نموذج أفضل لأن الفرد كان يركز على ما يريد ثم يقطع الخط لأن هناك تكلفة للاتصال، بالطبع هذه الفكرة لن تعود الآن مع اعتياد الناس على الاتصال الدائم.
لذلك كل فرد يفعل ما بوسعه، ومعك في الخوف على الجيل الجديد.
الشركات تضرب على وتر حساس أن الإنسان عدو التغيير، من تعود على تقنية أو برنامج أو نظام تشغيل فمن الصعب أن يتحول إلى شيء آخر، خصوصاً إذا بذل جهد واستثمر في تبني هذه التقنية. كمثال منصة جافا كانت مجانية أكثر من عشرين عاماً حتى بنت عليها مؤسسات أعمالها الضخمة، فلما حولتها شركة صن إلى منصة تجارية لم تستطع تلك الشركات والمؤسسات التغيير ببساطة بل أن بعضهم دفع مليون دولار في العام ترخيص لمواصلة الاستخدام بدلاً من الاستثمار في التحول. التحول أحياناً يحتاج إلى ميزانية كبيرة في المؤسسات الكبرى، لكن على الصعيد الشخصي يحتاج لشخص مرن يستطيع التغيير
أود من الأفراد فقط التفكير بجدية في الأمر والبحث عن بدائل وتجربتها، عندها يمكن أن يقرر ما يناسبه، أجد أن البعض لا يريد حتى أن يفكر بالأمر وإن كان غير راض عما تفعله الشركات.
مقالٌ ممتاز.
للأسف، مسألة انتهاء خصوصية البيانات الشخصية باتَ هذا ينطبق على الشركات الأخرى، في آخر مرة استلمت فيها حَوالة من إحدى مكاتب الصرافة طلب مني التوقيع على ورقة تتعلق بسلامة مصدر الأموال وما إلى ذلك، لا مانع لدي بالتوقيع عليها، مصدر أموالي نظيف وأعمل بشرف ونزاهة و “ماشي بنور اللـه” على رأي الأخوة المصريين. هذا إجراء عادي في الأرْدُنّ، حيث القطاع المصرفي يرتجِف رُعبًا من أي عملية مالية خوفًا من ارتباطها بالإرهاب والعقوبات الأمريكية، لذا يطلبون دائمًا ودوريًا من العُملاء التوقيع على وثائق تُثبت سلامة مصدر الأموال وإخلاء مسؤولية المصرف أو المكتب عن أي شيء. إنما ما لفتَ نظري أن الورقة تتضمن نقاطًا حول حقّ المكتب بمشاركة بياناتك وأرقام الهاتف وصور الإثباتات الشخصية وما إلى ذلك مع شركات ومؤسسات أخرى حسب ما يرتؤونه بحجة تحسين تقديم الخِدمات. للأسف، وفي بلدٍ في الأردن حيث عرض الخصوصية مُنتهك بالاغتصاب فإن هذا يعني أن بياناتك قد تصبح عند ما هبّ ودبّ من شركات ومؤسسات يمكنها شراء بياناتك من المكتب. لكن ما باليدّ حيلة، فلا يمكن للمواطن العادي فعل أي شيء والأنظمة الحكومية لحماية الخصوصية – على علاتها – غير مطبقة أساسًا، والدخول في إجراءات تقاضي شبه مُستحيل من جميع النواحي؛ الوقت والإجراءات والتكلفة. ليس بيدي حيلة، كل ما تمكنت من فعله هو أنني أوصلت وجهة نظري للموظف وشكوتهم للـه والدعاء على شركتهم وعلى كامل القطاع المصرفي في الأردن – مع إخلاء ذمة الموظف من الدعاء لأنه عبدٌ مأمور 🙂
هامش:
أ- للأسف، هذا الأمر ينطبق على جميع المؤسسات ومواقعها وتطبيقاتها، حتى الحكومية، حيث يوجد نِقَاط في اتفاقيات الخدمة وسياسة الخصوصية تُبيح لهم هتك عرض خصوصية بياناتك.
ب- آسف على اللغة القاسية نوعًا ما لوصف ما يحصل لخصوصية البيانات، وهذا وصف فعلي لما يحصل لها.
أتصور أن لديكم ظاهرة تبادل الشركات لأرقام هواتف الناس، تتصل بك شركات حتى لو لم تتعامل معها من قبل، وكما تقول فالمواطن لا يمكنه فعل شيء، هناك من يغير رقم هاتفه عندما يزداد الإزعاج وهذه مشكلة له وللآخرين كذلك.
مشاركة البيانات يفترض أن توضح أكثر، مثلاً هناك ظروف قانونية تفرض على المؤسسة المشاركة بالبيانات مع مؤسسات مثل المحاكم والشرطة، وهناك استخدام البيانات لبيعها على مشترين، الأول يفرض بالقانون والثاني يفترض أن يمنعه القانون.
هذا دارج جدًا، فإن الرسائل الإعلانية تصلك حتى لو لم يكن رقمك مُدرجًا في أي دليل أو محفوظًا عند أي جهة. مُجرد أي يكون الخطّ شغالًا هذا يعني سيلًا لا ينقطع من الرسائل الإعلانية سوى باتخاذ عدة إجراءات معقدة.
قوانين حماية الخُصوصية موجودة، وأكثر من أن تُعدّ، لكنها لا تُطبّق وصياغتها ملتبسة أو فضفاضة، “السيستم” في الأردن معقّد بحيث يُفيد الأثرياء والشركات فقط – المصارف تحديدًا. باب الشكوى مفتوح وأبواب القضاء مفتوحة، لكن إذا أراد شخصٌ الشكوى يجب أن يكون عنده رصيد مصرفي من ستة أرقام وجيش من المحامين الأوغاد المُخضرمين والمُحنكين، وسيحصل على حقه كاملًا، بخلاف ذلك لن يحصل على شيء. يمكن القول أننا نُسخة رديئة التنفيذ من أمريكا.
ونُقطة إضافية…
هذه الانتهاكات للخصوصية تصل إلى الرَّقْم الوطني للشخص، حيث لدى جميع الشركات وأحيانًا مكاتب خِدمات وإعلانات وتسويق صغيرة، تفاصيل الأرقام الوطنية وأرقام الوثائق الشخصية بل وصور عنها، يمكنهم الحصول عليها بسهولة شديدة من المصارف وشركات الإقراض المصغّر وشركات الاتصالات حتى من الدوائر الحكومية مباشرةً. كما أسلفت، يُفترض أن هنالك قوانين لحماية هذه البيانات والخصوصية، لكنها غير مطبقة، والجهات الحكومية من أوائل منتهكي هذه القوانين :/