
(1)
قرأت مقال عن معبد ياباني وعملية إعادة بناءه كل عشرين عاماً، المعبد يعتبر الأهم من بين إثنين وعشرين معبداً يابانياً لأنه حسب الأساطير مرقد أسلاف العائلة الإمبراطورية والمبعد يستخدم لطقوس العبادة لأحد أهم الآلهة في الديانة الشنتوية، تاريخ المعبد وأهميته الدينية لليابان ليس ما يهمني هنا بل فكرة إعادة بناء هذا المعبد كل عشرين عاماً.
منذ ألف وثلاثمائة سنة وهذه العادة مستمرة إلى اليوم، المعبد ليس مجرد مبنى واحد فقط بل مساحة كبيرة تحوي معبدين رئيسيين و123 معبد صغير، لا تبنى كل المعابد دفعة واحدة بل المعبدين الرئيسيين ومعهما أربع عشر معبد صغير، أضف لذلك مبان أخرى وجسور وأسوار، بناء الجديد ينجز بجانب القديم ثم يهدم القديم وأي قطع من القديم ما زالت جيدة تحفظ لاستخدامها لصيانة المبنى الجديد في حال حدث ما يتطلب ذلك.
عملية البناء تشمل كذلك إنشاء نسخة جديدة من ستين سيفاً احتفالياً (سيوف للطقوس وليس القتال) ودروع ورماح وأقواس وسهام، 31 مرآة، قطع قماش من الحرير للستائر والأسرة، وعدة أشياء أخرى يعاد صنعها.
كل هذه الأشياء تصنع بالطرق التقليدية كما بدأت في القرن السابع الميلادي، وهذا المعبد ليس الوحيد في عملية إعادة البناء فهناك معابد أخرى حول اليابان تمارس نفس الفكرة، أصل الفكرة غير واضح لكن طرق البناء وأساليب صنع الأشياء بقيت كما هي وهذا جعل الناس يتناقلون هذه الأفكار منذ ما يزيد عن ألف عام، وهذا يعني كذلك استمرارية تدريب حرفين في صناعات مختلفة.
الاستمرارية هنا تعتمد على نقل كل جيل للمعرفة للجيل الذي يليه وهذا لا ينجز بالكتابة والنص بل شفهياً وعملياً، عدة أجيال تشترك في عملية البناء وأجيال قديمة تراقب وتستمر في التعليم وهكذا تنتقل الخبرة من جيل لآخر.
الكتب يمكنها حفظ المعلومات والمعرفة لكن هناك تفاصيل في عملية صنع الأشياء لا يمكن حفظها بسهولة، ما يحدث في المعابد اليابانية هو عملية نقل الخبرة العملية من جيل لآخر دون انقطاع ودون الاعتماد على الكتب كمصدر وحيد للمعلومات، أتمنى أن تقرأ المقال لتجد المزيد من التفاصيل.
ما يهمني في الموضوع أمرين: الأول نقل المعرفة العملية عبر الأجيال، التقنية الحديثة والتخصص في العمل يجعل عملية صنع أي شيء تحتاج ليس فقط تخصصات كثيرة بل عمل ينجز في دول عدة، مثلاً العالم يعتمد كثيراً على الصين وتايوان لصناعة الإلكترونيات اليوم ودول مثل أمريكا نقلت مصانعها لآسيا فقدت الكثير من الخبرة العملية نتيجة لذلك ولا يقتصر ذلك على مجال الإلكترونيات فقط بل كل صناعة حديثة.
الثاني هو عملية الصيانة، ما يحدث في المعبد الياباني هو نوع من الصيانة التي تأخذ شكلاً إعادة البناء، لا أقول بأن هذه الفكرة عملية لكل الناس لكنها بلا شك تحفظ المعرفة وتبقي المكان يعمل، الصيانة موضوع يزداد أهمية في العالم الحديث لأن العولمة كما عرفنا في السنوات القليلة الماضية ليست نظاماً يمكن الاعتماد عليه كلياً وأي خلل في جزء منها سيكون له عواقب في بقية العالم.
المجتمعات بحاجة لإعادة تعلم كيف تبني المباني بأساليب تقليدية تستخدم التصاميم والتقنية الحديثة، المجتمعات تحتاج للأمن الغذائي وللاعتماد على نفسها في صنع وحفظ وتخزين الطعام، الصناعات التقليدية التراثية تحتاج لحفظ وتطوير كذلك، ويمكن أن أقول نفس الشيء على مستوى الأسرة، لكن المعبد الياباني ليست عائلة بل مؤسسة دينية استطاعت بعملية إعادة البناء حفظ ما لا يمكن حفظه بالكتب.
كل ما أريد أن أقوله: يمكن تعلم الكثير من المعبد الياباني، والصيانة مهمة.
في بغداد زمان كانت البيوت تبنى بطرق معينة مناسبة للجو الحار فالصيف، طبعًا ذاك الوقت ماكان في تكييفات وحتى المراوح الكهربائية تعتبر جديدة. لكن الان تغير الوضع واصبحت البيوت اصغر والاسقف منخفضة وكلها مباني اسمنتية عمرها الافتراضي قصير مقارنة ببيوت زمان ، بس النقطة الاهم هي تعامل البيوت القديمة مع الجو الحار والبارد والي فقدناها بالبناء الحالي واصبحت الناس مضطرة لتشغيل التكييف تقريبًا على مدار الساعة حتى تحافظ على جو يحتمل داخل البيوت وهذا طبعًا يرفع من نسب استهلاك الكهرباء بشكل فضيع.
ساعات لما اقارن مع ايام زمان الاحظ انو في نقاط كثيرة الاجيال الي سبقتنا عاشت بطريقة اصّح تتفق مع المنطق السليم مقارنة بوضعنا الحالي رغم كل التطور العلمي والتكنولوجي الي وصلنا له اليوم.
القصة تتكرر في بلدان عدة، الناس ينتقلون من المباني التقليدية التي صنعت لتتلاءم مع البيئة إلى مباني من الإسمنت ثم بعد خمسين عاماً أو أكثر تبدأ موجة العودة للبناء التقليدي الذي يكاد يضيع بموت الأجيال السابقة، الأساليب التقليدية للبناء يمكن استخدامها مع طرق البناء الحديثة فندمج ما هو جيد في القديم مع الحديث.
معك في ما قلت بأسلوب عيش الناس في الماضي، بدون تقنية حديثة الناس مرتبطين أكثر بالطبيعة وبدورة الفصول وتتابع الليل والنهار، الآن الليل يمكن إضاءته طوال الوقت والصيف يمكن تجنبه بالمكيفات.
مقال جميل … إعادة البناء هذه لها فوائد اجتماعية أيضاً في المحافظة على التواصل بين الكبار والصغار وعلى نقل الخبرات الحياتية وليس فقط ما يخص مهارات البناء … هذا التواصل الذي نفقده باستمرار نتيجة نمط الحياة الفردي
وأنا معك بأن الكتاب لا يصلح لاحتواء جميع التفاصيل والخبرات بل إن هناك أمور لا يمكن تعلمها سوى بالتجريب الفعلي.
هناك الكثير مما يمكن كتابته عن الأمر، موضوع تناقل الخبرات والتواصل بين الأجيال وحفظ المجتمع لذاكرته، كل هذه مواضيع كبيرة ومهمة، نمط الحياة الفردي الحديث يعتمد على المؤسسات الحكومية والخاصة بدلاً من الاعتماد على التلاحم الشعبي، لذلك لا بد من عودة لما كان عليه الناس في الماضي، الأمر يمكن أن ينجز بمبادرات من الأفراد، أن يتعرف الشخص على جيرانه كبداية.