موسم العروض أتى والمواقع تعرض قوائم بعد قوائم لمنتجات يمكن شرائها بسعر مخفض، يسمونه يوم الجمعة الأسود واللون الأسود هنا علامة إيجابية لأن في دفاتر المحاسبة تتغير ألوان الأرقام من الأحمر إلى الأسود وهذا يعني من الخسارة إلى الربح، وأياً كان هذا اليوم فهو مناسبة استهلاكية أمريكية وبداية موسم الاستهلاك لديهم، لكن في عالم متصل ببعضه البعض، إن كح أحدهم عصفوراً من فمه في طرف من الأرض سيصل خبره إلى الطرف الآخر خلال عشر دقائق أو دقيقتين في تويتر.
أعترف أنني أستمتع برؤية قوائم المنتجات لكن لم أعد أرغب في شراء شيء، إن كان العالم جاداً حقاً في مواجهة أزمات البيئة فعلى الناس التخلي عن الثقافة الاستهلاكية، مع ذلك هناك من يريد شراء تلفاز حتى لو لم يحتج لواحد، تباً له ولأمثاله، أدرك أنه حر في التصرف بأمواله كما يشاء وفي نفس الوقت أكره هذا الجرأة على الاعتراف بأنه سيشتري شيئاً لا يحتاجه، كأنه يعلم أن ما يفعله هو استهلاكية سلبية لكن لا يكترث، يجب ألا نقلل من شأن الأفعال الفردية، أدرك أن المشاكل عميقة وجهود فرد لا تؤثر لكن جهود ووعي أفراد تصبح موجة تغيير.
التنزيلات في هذا اليوم قد لا تكون تنزيلات، هناك أمثلة عدة لأسعار لم تتغير، البعض يرى هذا اليوم ما هو إلا خدعة استهلاكية، الكل يعرض أقل الأسعار وقد تكون هناك منتجات بأسعار أقل لكن عددها محدود والبائعين يأملون بأن تشتري أشياء أخرى لم تخفض أسعارها، وفي نفس الوقت هناك عروض أخرى خلال العام قد تكون أرخص من الجمعة الأسود.
المتاجر الكبرى هنا لديها عروض تخفيضات طوال العام وهذا ما يجعل التخفيضات عديمة المعنى لأن الفرد يعتاد على وجودها وهي غالباً تغطي منتجات لا تشكل فرقاً كبيراً عند تخفيضها، وتجعل البعض يتساءل إن كان هناك حقاً أي تخفيضات، ثم هناك متجر إيكيا الذي يحدد أوقات التخفيضات مسبقاً ويحدد أنواعها مسبقاً وهكذا يمكن للفرد أن يخطط شراء شيء في وقت التخفيضات، سيوفر فعلاً لو فعل ذلك.
أذكر أن التنزيلات كانت شيئاً نادراً في الماضي ومناسبة للشراء لأن التنزيلات كانت حقاً تنزيلات، أذكر ذلك لأنني أذكر محلاً كبيراً ومعروفاً في أبوظبي كان مزدحماً وكنت هناك مع الأهل لشراء لوازم للمنزل، أذكر شراء عدة أواني وأكواب وغير ذلك وما زلنا نستخدمها إلى اليوم، هذا قبل ثلاثين عاماً لذلك الذاكرة ضبابية والتفاصيل باهتة لكن أذكر المحل والزحام.
أكرر ما قلته في مواضيع سابقة، المشكلة ليست في الشراء والبيع فهذا نشاط بشري منذ ما قبل التاريخ، المشكلة في الاستهلاكية وثقافتها التي تدعوا للاستهلاك الدائم بلا توقف، إن كان العالم جاداً في مواجهة العديد من مشاكله فلا بد من مواجهة هذه الثقافة وتغييرها جذرياً.
