رأيت مقطع الفيديو أعلاه في أحد المواقع التي أتابعها ثم في تويتر ودار نقاش قصير في تويتر حول الأدوات التي يستخدمها الرجل في الفيديو، المقطع أعلاه نشر في 2014 وانتشر هذه الأيام لأن الرجل في الفيديو هو أريك روث كاتب سيناريو أمريكي وقد كتب فيلم دون (Dune) المبني على رواية بنفس الاسم، لم أقرأ الرواية بعد ولم أكن أنوي فعل ذلك إلا بعد أن قرأت مقال يعرض كم تعتمد الرواية على أفكار من الإسلام، المقال طويل ويستحق القراءة.
يبدأ أريك في الحديث عن الالتزام أو الانضباط في العمل، أن يستمر في العمل بنفس المنوال كل يوم وهذا ما يجعله منتجاً ولم يعاني مما يسمى قفلة الكاتب، يبدأ يومه في الخامسة والنصف صباحاً ويخرج للمشي والرياضة، يبدأ العمل في السابعة والنصف ويعمل حتى الظهيرة، يعمل مرة أخرى في الليل حتى منتصفه ويعود في اليوم التالي ليكمل ما تركه بالأمس، هذا الروتين اليومي يجعله منتجاً.

يتحدث أريك عن البرنامج الذي يستخدمه وهو برنامج قديم يعمل في نظام دوس، البرنامج هو Movie Master وقد توقف تطويره منذ وقت طويل، هناك نسخة منه رقمها 5.1 متوفرة في أرشيف الإنترنت مع برامج أخرى وقد طرحت في وقت ويندوز 95، يمكن التخمين بأن هذه آخر إصدارة منه لكن أريك يستخدم إصدار أقدم طرح في 1988م.
البرنامج صمم لكتابة سيناريو الأفلام وهناك طريقة محددة لتنظيم النص يتبعها كتاب الأفلام والبرنامج يوفر خصائص عدة لفعل ذلك، ولأنه برنامج صنع لنظام دوس فهناك حد لعدد الصفحات التي يمكن كتابتها وهو أربعين صفحة، تخميني أن هذا سببه عدم استغلال الذاكرة الإضافية، نظام دوس كان لفترة يستطيع التعامل مع 640 كيلوبايت من الذاكرة لكن مصنعي البرامج والألعاب استطاعوا تجاوز هذا الحد، وقد نسب قول لبيل غيتس بأن 640 كيلوبايت كافية لأي شخص، بيل غيتس لم يقل هذا الكلام!

أريك لديه حاسوبان، واحد يعمل بنظام ويندوز أكس بي ومن خلاله يشغل المحرر لأن أكس بي يدعم برامج دوس، الحاسوب الثاني يعمل بنظام ويندوز 7 وأخمن بأنه النظام الذي يستخدمه للاتصال بالإنترنت أما أكس بي فلا يتصل بالشبكة، لوحة المفاتيح هي من صنع آي بي أم وبالتحديد Model M Keyboard، هذه لوحة مفاتيح ميكانيكية وصنعت لتدوم وهناك أناس ما زالوا يستخدمونها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.

الصورة أعلاه توضح أنه يستخدم ويندوز 7، والحاسوبان متصلان بنفس الشاشة ولوحة المفاتيح، الشاشة من فيوسونك (Viewsonic) وهي بمقياس 5:4، هذه شاشة شبه مربعة ومناسبة للكتابة وليست كالشاشات العريضة الحديثة المصممة لمشاهدة الفيديو والألعاب.
على الجانب الأيمن هناك طابعة ليزر وأخمن بأنها طابعة أبيض وأسود، طابعات الليزر من هذا النوع أفضل للكتاب لأنها تعمل لوقت طويل وبتكلفة منخفضة.
كل التفاصيل في مكتب أريك تجعلني أتذكر المكاتب في بدايات الألفية، لو سافر شخص عبر الزمن من العام 2003 إلى مكتب أريك اليوم فلن يرى شيئاً غريباً إلا ربما هاتف ذكي، كل شيء آخر سيكون مألوفاً.
ما الذي يعجبني في كل هذا؟ في البداية أريك يعترف بأنه لا يحب التغيير وما دامت الأدوات التي يستخدمها تعمل له وتجعله منتجاً فلا أرى حاجة للتغيير، سبق أن تحدثت عن هذا الموضوع عندما عرضت حاسوباً يعمل من الثمانينات، البعض قد يجبر على التغيير لأن الآخرين يضغطون عليهم، لكن في حالة أريك يفرض على شركات الأفلام أسلوب عمله وقد أثبت مكانته وهم بحاجة لمهاراته لذلك يتكيفون مع طريقة عمله.
الأمر الآخر هو تذكير بأن الأدوات القديمة يمكنها أن تعمل، أريك يملك برنامجه ولا يؤجره أو يعتمد على خدمة ويب، العديد من البرامج انتقلت إلى نموذج الاشتراك وهذا يعني أن المستخدم لا يملكها بل فقط يستأجرها ويشتري حق استخدامها.
دائرة التحديث المستمر تطور البرامج وتحسن أدائها لكن الفرد قد لا يحتاج لأي خصائص جديدة والنسخة القديمة من البرنامج تلبي له كل احتياجاته، مطوري البرامج لن يتوقفوا عن تطويرها وهنا يحدث تضارب بين رغبات المستخدم والمطور، الشركات تريد أن تبقى في دائرة التنافس وهذا يعني عدم توقف تطوير البرامج والمستخدم يريد الثبات وعدم التغيير ولن يرفض رفع جودة المنتج وأداءه لكن لا يريد تغيير الواجهة ولا إضافة أو حذف الخصائص، لذلك قد يبقي النسخة القديمة من البرنامج لأن هذا كل ما يريده.
بتحول البرامج إلى نموذج الاشتراك وتحولها لخدمة يصبح من المستحيل أن يبقي المستخدم على النسخة القديمة من البرنامج لأنه لا يملك نسخة منه بل يستخدم ما يوفره مطور البرنامج، لذلك لا عجب أن يستخدم البعض برامج قديمة.
نقطة أخيرة: كاتب رواية صراع العروش يستخدم برنامج من عصر دوس لكتابة رواياته.
أشكرك على هذه التدوينة، هناك مثل مصري مشهور يقول: الشاطرة تغزل برجل الحمار
يعني في النهاية الأدوات ليست حجّة لعدم الإنتاجية بل العكس، توافر الأدوات بكثافة سيزيد من التسويف وقلة الإنتاجية
أيضًا تصدير (كراهية الروتين) في آخر ١٠ أعوام على الإنترنت أصابنا بالكسل والخمول (ربنا يحمينا منه)
شكرًا مرّة أخرى على التدوينة
بالفعل الفرد ليس بأدواته بل مهاراته، هناك مقاطع فيديو في يوتيوب لمصورين محترفين يستخدمون كاميرات رديئة ومع ذلك يلتقطون صوراً جيدة، هناك أناس استخدموا برنامج الراسم في ويندوز لصنع لوحات جميلة حقاً.
معك فيما تقول حول كراهية الروتين، يفترض أن الروتين شيء مألوف وطبيعي، حياتنا تعتمد على الروتين ولا يمكن لفرد أن يكون كل يوم مختلف تماماً، هذا مرهق للنفس وغير طبيعي.
من الصدف أنني دوّنت أيضًا عن إريك وهذا الفيديو اليوم.
ِشكرا على التدوينة الجميلة.
قرأت موضوعك بعدما نشرت هذا الموضوع، صدفة رائعة 🙂 وموضوعك رائع كذلك.
يثير سخطي عدم وجود نظام لا يدخل الانترنت. أعرف إن الشركات تخاف من المخاطرة بذلك. من سيشتري نظام لا دخل على الانترنت على الإطلاق؟ لكن على الأقل ممكن توفير خاصية اغلاق الارتباط بالانترنت لمدة ساعات أنت تحددها ولا يمكن الرجوع عن ذلك. لكن أيضاً الجميع يتجاهل ذلك رغم معاناة التشتت الكبيرة لدى البشر!
معك فيما تقول، لذلك إلى أن يطور شخص ما نظاماً يلبي ما تريد؛ قد يكون الحل شراء حاسوب مكتبي بسيط لا يحوي اتصال لا سلكي ولا توصله بالإنترنت.