
الناس الذين ولدوا في عام 2000 وصلوا لسن السابعة عندما طرح أول آيفون في السوق، وبعد عشر سنوات وصلوا إلى الجامعة وما بين طرح آيفون والجامعة العديد من هؤلاء الأطفال لم يعرفوا الحاسوب إلا من خلال أجهزة بشاشات لمس، الحاسوب المكتبي أو النقال شيء لا يحتاجون استخدامه لأن كل شيء يريدون فعله موجود في أجهزة شاشات اللمس، سواء هاتف أو حاسوب لوحي.
في المدرسة لم يواجه هؤلاء مشكلة، لكن عند وصولهم للجامعة تغير الأمر إذ يطلب منهم أساتذة الجامعة التعامل مع واجهة سطح المكتب التقليدية، والطلاب يعانون من مشكلة هنا لأنهم لا يعرفون كيف يستخدمون نظام الملفات التقليدي، بالطبع هذا تعميم على جيل كامل من الناس وأي تعميم سيكون خطأ، لا شك أن عدداً من هذا الجيل يتعامل مع نظام الملفات بلا مشكلة، لكنها تبقى مشكلة تواجه أساتذة الجامعة عندما يتوقعون من الطلاب شيئاً بسيطاً مثل إيجاد ملف وفتحه في البرنامج الضروري للمساق.
رأيت بعض ردود الأفعال في تويتر وضايقني منها من يرى أن هذا أمر حسن ويرون أن نظام الملفات التقليدية يجب أن يموت، أقول هذا وأنا شخصياً رددت كثيراً بأن نظام الملفات شيء غير ضروري لكن البديل لا أريد له أن يكون ما تفعله أبل في نظام آيفون وآيباد أو حتى ما تفعله غوغل في آندرويد، لا أريد أن يعطي الناس التحكم بكل شيء لهذه الشركات وينسون كيف يمكنهم حفظ ملفاتهم في أجهزتهم.
البديل للملفات سيكون في واجهة تعتمد أساساً على الوثائق كواجهة، لكن هذا موضوع آخر تماماً ولن أتحدث عنه هنا، المهم أن تفهم بأنني أفضل نظام الملفات على البدائل المتوفرة اليوم وهي أنظمة الهواتف.
لماذا؟ الحاسوب المكتبي أو النقال (سأكتفي بتسميته الحاسوب المكتبي من هذه النقطة) يقدم حرية كاملة للمستخدم لا يجدها في الهاتف أو الحاسوب اللوحي، بإمكانك شراء حاسوب مكتبي وتثبيت توزيعة لينكس أو إحدى أنظمة BSD وسيكون لديك نظام حر وغير مرتبط بالشركات مثل غوغل وأبل ومايكروسوفت، حتى لو استخدمت ويندوز فأنت ما زلت تملك حرية أكبر في تنظيم ملفاتك وأين تضع البرامج.
أنظمة الهواتف ولسنوات كانت تستخدم تطبيقات منعزلة ويصعب مشاركة المحتويات بينها، كل تطبيق يحفظ بياناته في مكان خاص به، هذا تراجع عما كانت أبل تفعله مع جهاز أبل نيوتن حيث كل التطبيقات تشترك في حفظ البيانات في قاعدة بيانات مشتركة بين كل التطبيقات، بمعنى آخر جهاز نيوتن كان لديه نظام ملفات خاص به، بمرور السنوات تغيرت الأمور لآيفون وأصبح هناك مدير ملفات ويمكن مشاركة بعض المحتوى بين التطبيقات.
لكن هل هذا أسهل من أنظمة سطح المكتب؟ من تجربة شخصية وجدت صعوبة في التعامل مع مدير الملفات الخاص بآيفون ومحاولة أن أجعل التطبيقات تفتح ملفات، أعلم أن هذه تجربتي الشخصية لكن إن أضفت لها تجارب الآخرين فهناك لا شك مجموعة من الناس يجدون الهواتف أقل مرونة من حواسيب سطح المكتب.
تنظيم الملفات في مجلدات فكرة يفترض أنها سهلة الفهم، المكتبات تنظم المعرفة من خلال تقسيمها إلى مواضيع عامة تشمل فروع متخصصة، ويمكن إيجاد الكتاب من خلال معرفة موضوعه وفي أي قسم تجده وما رقمه، مكاتب المؤسسات على اختلافها تحفظ أوراقها الرسمية في أرشيف منظم حسب المواضيع وكل موضوع له قسم خاص وكل وثيقة لها رقمها وتاريخها.
تنظيم المعرفة مجال تخصص يدرسه بعض الناس ويعملون فيه وقد كتبت فيه كتب وأبحاث كثيرة، فقرة واحدة لن تعطيه حقه، ما أريد أن أقوله هنا أن تنظيم المعرفة هي فكرة يفترض أن تكون مألوفة لأي شخص يتعامل مع التقنية، لكن بعض الناس اعتمدوا كثيراً على حقيقة أن الواجهات التي يستخدمونها تبسط لهم الأمور أو يعتمدون كلياً على البحث لإيجاد أي شيء.
عندما بدأ التعليم عن بعد في زمن الكورونا واضطر الطلاب للتعامل مع واجهات سطح المكتب واجه كثير منهم مشكلة في التعامل مع هذه الواجهة غير المألوفة لهم، معرفتهم لاستخدام واجهات الهواتف والحواسيب اللوحية لم تساعدهم على فهم كيف يعمل حاسوب سطح المكتب، وقريباً سيضطر هؤلاء للتعامل مع حواسيب سطح المكتب في التعليم والعمل.
ما أخشاه هو التالي: الشركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأبل ودروب بوكس تحاول أن تجعل المؤسسات والأفراد يعتمدون على خدماتهم السحابية كلياً، بالتالي الملفات هي تلك الأشياء التي يحفظها الفرد في هذه الخدمات ويمكن إيجادها بالبحث عنها، هكذا تضمن الشركة أن يعتمد عليها الفرد كلياً وكذلك تعتمد الشركات الصغيرة على خدماتها، ثم يصبح الحاسوب المكتبي شيئاً غير ضروري، يمكن الوصول لهذه الخدمات بأي جهاز، يمكن حتى لطرفية (Terminal) أن تستخدم للاتصال بهذه الخدمات والطرفية نفسها لا تحوي قوة معالجة أو تخزين بل مجرد شاشة ولوحة مفاتيح وفأرة أو حتى مجرد شاشة لمس تتصل بالشبكة.