قرأت تغريدة للأخ محمود عن الأخبار جعلتني أفكر بموضوع الأخبار وأنا أعد لنفسي دلة شاي، أعترف أنني أفتقد الأخبار خصوصاً نشرات الأخبار في الإذاعات والتلفاز والصحف، لكن توقفت عن مشاهدة التلفاز منذ سنوات عدة ولا أريد العودة للأخبار وهي كما هي لم تتغير كثيراً، الأخ محمود ذكر الخبر السعيد الذي يوضع في ذيل النشر غالباً بعدما غطت النشرة أخبار الكوارث والمآسي والدمار، كأن قنوات التلفاز تحاول أن تترك وردة بلاستيكية بلا حياة قبل أن تذهب.
هذا شيء يزعجني، بعد أخبار المآسي التي تذكر أعداد الضحايا من العيب أن تنتهي النشرة بخبر سعيد أو مضحك، ولست ضد الأخبار الإيجابية وقد سبق أن تحدثت عن رغبتي في قناة تلفاز إيجابية تركز على الجيد والمتفائل والحسن، لكن لا تخلط بين أخبار المصائب ثم تذيلها بخبر سعيد، كأن قنوات التلفاز ترسل اللكمات واحدة تلو الأخرى في اتجاه المشاهد ثم تختمها بقبلة على الرأس!
نشرات الأخبار كل نصف ساعة تكرر نفس الأخبار بدون تغيير وتصبح مزعجة بسرعة وأي حدث يجد تغطية مباشرة نظراً لأهميته يفعل نفس الشيء ويحاول المذيع أن يتحدث طوال الوقت لأنه لا يسمح بترك فراغ في البث، إن لم يتحدث المذيع فهناك الضيف والخبير في شؤون كذا وكذا ثم يأتي بعده ضيف آخر وثالث، أذكر انني قرأت بأن بعض المشاهدين لديهم دراية أقل بالأخبار بعد كل هذه التحليلات ولا يدرون أين هي الحقيقة، للأسف لم أحتفظ بالرابط.
بعض الناس (خصوصاً أهل التقنية) يؤمنون بأن المعلومات ستحل أي مشكلة والمزيد منها هو الحل، أو هذا ما كان البعض يردده في الماضي عندما كان الناس متفاؤلون بأن الإنترنت ستكون أداة رائعة لنشر المعرفة والمعلومات وربط الناس ببعضهم البعض لكن عرفنا من التجربة أن المعلومات الكثيرة تتسبب في أن يتشكك الناس في المعلومات وبعضهم حتى يؤمن بمعلومات خطأ أو نظريات مؤامرة، أناس أذكياء ولديهم من الخبرة والمعرفة ما يجعلهم مؤهلين للعمل كأطباء وممرضين ومهندسين ومع ذلك يؤمنون بنظريات مؤامرة.
نشرات الأخبار التي أريدها ستكون أسبوعية وليست يومية، أود أن تكون هناك صحيفة أسبوعية كذلك، لأن المهم من الأخبار هو الوضع العام لأي شيء وليس التفاصيل، أود من الأخبار كذلك أن تربط بين أحداث اليوم والماضي لأن السياق التاريخي مهم لفهم أي قضية، وإن كان هناك تحليلات وخبراء يتحدثون عن أي قضية فمن المفترض أن تكتفي نشرة الأخبار بالقليل منهم، أعط فرصة للخبير للحديث بالتفاصيل عن الأمر بدلاً من محاولة إعطاء العديد منهم دقيقتان.
ما أبحث عنه هو الإعلام البطيء فالسرعة ومحاولة ملاحقة الأخبار والمعلومات هي مشكلة وليست حلاً، الإعلام اليوم يعتمد كثيراً على ربط المشاهد بالتلفاز أو بالشبكات الاجتماعية أو التطبيقات لكي يأخذ انتباهه وهذا يعني بيع الإعلانات، وحتى القنوات التي لا تعلن تريد جذب انتباهك دائماً وتريد منك أن تشاهدها دائماً، البرامج تقطع بالفواصل التي تعلن عن برامج أخرى وتقطع بالأخبار كذلك، لا أذكر متى كانت آخر مرة شاهدت فيها برنامجاً لساعة كاملة دون أن يقطع مرة بفاصل ما.
ما الذي سيجعلني أشاهد الأخبار مرة أخرى؟ شيء لن تقدمه قنوات التلفاز أو وسائل الإعلام الأخرى، أريد الإعلام المتأني والمتمهل وهذا عملة نادرة إن لم تكن منقرضة.
إجمالا، فالأخبار محرقة الأعمار، من يريد أن يحترق؟ على الصعيد العملي فإن أحد الطرق التي اتبعتها هو قراءة صحيفة يومية ليوم الجمعة فقط، وكذلك متابعة صفحة الأخبار المصورة في صحيفة الرياض مثلا يوم الأربعاء، ميزة الأخبار المصورة أنها تمنحك الخبر المجرد الذي يستحق التنويه، أيضا أحد الأفكار هي متابعة قنوات الاخبار على اليوتيوب، أقصد قنوات الأخبار التي تنقل الخبر مجرداً دون تعليق مثل قناة يورونيوز أو روسيا اليوم، البطء في كل شيء هو خيار حكيم في مواجهة كل الأشياء المتسارعة ,والتي تشتغل كالجحيم من حولنا، أخيراً، الفكرة العتيقة المتعلقة بمسألة دائرة التأثير ودائرة الاهتمام جديرة بالانتباه مرة بعد مرة بعد مرة، والله يهدينا ويكفينا كل شيء، آمين.