
لم يكن هناك تلفاز في البيت الجديد لبضعة أشهر، هناك تلفاز في صندوقه منذ انتقلنا إلى المنزل وبقي هناك إلى أواخر شهر رمضان عندما طلبنا خدمة فني لتركيبه على جدار غرفة المعيشة، حتى مع وجوده هناك بقي التلفاز ليوم أو يومين يعرض شاشة الإعدادات عند تشغيله، هذا تلفاز “ذكي” فيه حاسوب وإمكانية الاتصال بالإنترنت ويحتاج للإعدادات لكي يعمل، شخص ما وضع الإعدادات والآن التلفاز يعمل.
شغلته مرة لأرى واجهته الرئيسية التي تحوي خيارات مختلفة من خدمات مختلفة وكل واحد منها يتطلب حساباً واشتراكاً، لم أفعل شيئاً لمدة خمس أو ربما عشر ثواني وفجأة إعلان! سامسونج صانعة التلفاز قررت أن أجهزة التلفاز ستكون مصدر للدخل المستمر بإدخال الإعلانات في لحظات مثل هذه، أغلقت التلفاز فوراً، كما قلت في مواضيع سابقة: الأجهزة الإلكترونية تخدم صانعها وأنت لست المالك الوحيد لها، نعم الجهاز ملكك وأنت اشتريته لكنه يخدم سيداً آخر.
قبل أيام شاهدت فيديو من قناة أتجنب مشاهدة أي مقاطع منها لسبب بسيط وهو المبالغة في صور المقاطع التي تهدف لشد الانتباه، أكره هذه الصور، على أي حال شاهدت الفيديو الذي يقول عنوانه بأن الإنترنت بدأت تتفكك أو تصبح أسوأ وأول ما خطر في ذهني هو: بدأت؟! من يتابع التقنية يعرف أن هذا لم يبدأ الآن بل قبل أكثر من عشر سنوات.
في الفيديو يذكر الرجل أنه يشترك في خدمات عديدة وقسمها لخدمات يحتاجها لعمله وأخرى خدمات شخصية للترفيه، وتكلفة هذه الاشتراكات تصل إلى 5560 درهم إماراتي شهرياً! هذه النقطة ضايقتني أكثر مما ينبغي لأنني أدرك أنني أستطيع العيش براحة بمثل هذا المبلغ لو كنت أستطيع الحصول عليه شهرياً، وكذلك لأنه يصور الاشتراكات على أنها شيء لا مفر منه وهذا غير صحيح، يمكن للفرد أن يختار عدم الاشتراك وعدم استخدام خدمات الشركات التقنية ويوفر على نفسه ويتجه للبدائل.
وعود شركات التقنية تدور حول سهولة الاستخدام وتوفير المال وهذه الوعود لم تعد صحيحة، الخدمات التي كانت رخيصة في الماضي لتجذب الناس رفعت أسعارها وسهولة الاستخدام أراه نوع آخر من التعقيد لأن هذه الخدمات مرتبطة بتطبيقات وحسابات وهواتف ذكية، تطبيق كان يعمل في حاسوبك مباشرة وبدون تعقيدات الآن أصبح خدمة “سحابية” يحتاج لحساب واشتراك، هل هذا أسهل أو أرخص؟
خدمات البث مثال آخر، التلفاز التقليدي يجبر الفرد على مشاهدة برامجه المفضلة في وقت محدد وما فاتك فلن تستطيع مشاهدته ما لم تكن هناك إعادة، وقنوات التلفاز تختار ما تبثه وليس المشاهد، خدمات البث غيرت المعادلة ووفرت برامج وأفلام ويمكنك الآن أن تختار ما تشاهده متى ما أردت، لكن خدمات البث زادت ومحتوياتها أحياناً تحذف وأسعارها ترتفع وبعضها يدخل الإعلانات مع أن وعد هذه الخدمات بأنها لن تكون مثل التلفاز التقليدي حيث تكثر الإعلانات، لكنها خدمات أصبحت مثل التلفاز التقليدي لكن عليك أن تدفع مقابل استخدامها.
شخصياً لا أشترك في أي خدمة من خدمات البث، يمكنني العيش بدون مشاهدة التلفاز وقد فعلت ذلك لعقدين وأكثر ويمكنني عدم مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج، كنت في فترة أشتري أقراص دي.في.دي لمشاهدة أي شيء أرغب في مشاهدته وهذا يعني امتلاكي لقرص يبقى معي، في حين أن ما تقدمه الخدمات هو استئجار المحتوى، أنت لا تملك ما اشتريته وهناك احتمال أن تحذفه الخدمة أو ينتقل المحتوى لخدمة أخرى.
قرأت مقال يتحدث عن الأمر، الكاتبة قالت بأن الجهاز كان مجرد جهاز لكن الآن أصبح بيروقراطية، تحدثت عن مذياع تملكه العائلة منذ خمسين عاماً وما زال يعمل وما زال بسيط الاستخدام، في حين أن التقنيات الحديثة تتطلب الكثير من المستخدم.
شخصياً ما زلت أفضل المذياع على أي وسيلة إعلامية أخرى، والآن أود العودة لمشاهدة التلفاز لكن لا أريد خدمات شركات التقنية أو أجهزة تلفاز ذكية بل التلفاز كما عرفته في الماضي؛ قنوات فضائية تقليدية يمكن التقاط بثها بدون اتصال بالإنترنت.
أجد البعض يردد في الشبكات الاجتماعية بأن “التقنية تبسط الحياة” وأنا لدي شك في ذلك، ليس لدي شك أن الغسالة مثلاً تقدم خدمة كبيرة للناس لكن لدي شك بأن هاتفك يبسط حياتك.
هذه من المواضيع المثيرة للحيرة والغضب .. مبلغ 5560 درهم كبير فعلاً ويستطيع المرء به فعل الكثير .. هناك أماكن تستطيع البدء فيها بمشروع صغير من خلاله وهو مبلغ يدفع بشكل شهري لقاء خدمات لا يستعمل سوى مقدار صغير منها .. العجيب أكثر أن ما هو موجود على يوتيوب وغيره كاف لهدر الوقت ولكن لا بد من هدر الوقت والمال أيضاً على ما يبدو !!.
بالنسبة لي أراجع كل شهر ما أنا مشترك فيه وأرى إن كان ضرورياً أم لا وهو لا يقترب حتى من ذلك الرقم ومعظمه من أجل أشياء أستعملها فعلاً أو أحاول الاستفادة منها قدر ما أستطيع .. المشكلة أن الملاعين لا يتركون أحياناً طريق لك غير طريق الاشتراك .. خدمات أدوبي لا يعلا عليها وبحثت عن بديل حقيقي عنها ولم أجد .. ناهيك عن أنه من الصعب الانتقال من تطبيق اعتدت التعامل معه لعشرات السنين .. عن نفسي جربت وفشلت 🙁
لكن .. وكما قلت .. الأجهزة القديمة أبسط وأكثر احتراماً للانسان وأدميته.
كان علي توضيح أن الخدمات الترفيهية التي اشترك فيها الرجل هي ما أعنيه بالتحديد، أدرك بأن بعض الخدمات مثل أدوبي ضرورية للكثيرين ولكسب الرزق.
صحيح ما تقوله بأن الرجل يستخدم مقدار صغير منها، ولا أظنه يكترث لذلك لأنه غني ومشهور في يوتيوب وما يدفعه للخدمات يعتبره جزء من عمله في القناة وبالتالي تكلفة مبررة، شخص مثله مشغول لا أظنه يستطيع مشاهدة كل اشتراكاته والاستماع للبودكاست وقضاء وقت مع ألعاب الفيديو.
نحن لا نمتلك تلفازا منذ سنين ، اليوتيوب يغني عن كل شيء ، لكن الذين يتابعون كرة القدم مظطرون لدفع الإشتراكات ، ويشترون إشتراكات مقرصنة بمبالغ كبيرة …كذلك هناك بيزنس كامل ومحلات تبيع إشتراكات ip tv… الحمد لله نحن في غنى عنها…
كما قال الشافعي رحمه الله: وليس الغنى إلا عن الشيء لا به.
بإمكان الفرد أن يقرر الاستغناء عن شيء ترفيهي ويبحث عن بديل، كما تقول يوتيوب فيه كل شيء، والفضائيات التقليدية مجانية ويمكن التقاطها بسهولة، يمكن للفرد متابعة نشرات أخبار الرياضة ويرى مقاطع للأهداف هناك 😅
أرى أن هذا تذمر غير مبرر, على الرغم مع اني أتفق مع ما ذكر, لكن الناس سعيدة بهذا النموذج البائس, ما يزعجهم حقيقة هو إرتفاع الأسعار فقط! هذا شأنهم
أما من يرد أن ينفصل عن النظام القائم على الإشتراكات يستطيع بكل سهولة, أنا أدفع صفر دولار شهريًا على أي نوع من الإشتراكات.
تريد مساحة تخزين, اشتري هارد ديسك
تريد محتوى؟ اشتري ال DVDما زال متوفر أو حمل مقرصن هذا قرارك
كل شيء يمكن توفيره أوفلاين و بسهولة لم نشهدها
أما من يرد كل شيء على بعد ضغطة زر( كل كتب و أفلام و أغاني العالم) فليدفع.
بالطبع هذا شأنهم، وأنا أكتب عن التقنية وانتقد ما يحدث منذ وقت طويل، ليس الهدف من هذا الموضوع سوى الإشارة للأمر وكل شخص يقرر ما يناسبه.
أنا من الجيل القديم ولن أدفع قرشًا واحدًا مقابل شراء شيء كان بإمكاني الحصول عليه مجانًا عندما كنت طفلًا – أقصد هنا التلفاز وما يُعرض عليه من برامج.
لكن تغيّرَت عادات فُرجتي عليه، حيث اعتمد بالمقام الأول على المُحتوى المُقرصن، غالبًا عبر قنوات تيليغرام، الذي لا أحصل عليه مجانًا بطبيعة الحال، فعلى الأقل أنا أدفع ثمن اشتراك إنترنت وثمن القُرص الصلب الذي أٌخزّن عليه البرامج التي أُشاهدها 🙂
وقد قلّل هذا التوافر الكبير وسهولة الحصول عليه من الوقت الذي أقضيه في الفُرجة، حيث باتَ يمكنك توقُّع مُحتوى البرنامج قبل مشاهدته. وبسبب العمل، يتركّز استهلاكي الترفيهي على السماع، بودكاست، أي عُدتُ للطريقة القديمة – المذياع.
على أيِّ حال، وبسبب حوادث سابقة مُختلفة من قطع إنترنت أو حذف المصادر أو تعديلها… إلخ، فإنني ما زِلتُ أفضِّل الطريقة القديمة في استعمال التقنية، استخدام الحاسب والبرامج دون أن يكون متصلًا بالإنترنت للعمل. أقول هذا وأنا شخص أعمل من المنزل والإنترنت عصبُ عملي. لكن عندما أعمل على موضوع أو ملف (ترجمة) فإنني أستخدم برامج ترجمة ومعاجم ومسارِد تعمل على حاسبي – برامج و “بيه دي أف” دون اتصال بالإنترنت. أو أجمع ما يلزم من مراجع ومصادر لكتابة المواضيع من الإنترنت لأكتب الموضوع دون اتصال بالإنترنت. لكن هذا لا ينفي أنني أحتاجُ الإنترنت بين الفينة والأخرى للتحقُّق من نُقطةٍ ما، أو فهمها.
لد جهاز استقبال قنوات فضائية مع اشتراك مُقرصن “آي بيه تي في”، وأحيانًا أُشاهد ما تعرضه القنوات المٌشفّرة، كُنت سابقًا أعتقد أن المشتركين في القنوات المُشفّرة “بي إن” و “أو أس أن” مثلًا يُشاهدون ترفيهًا وبرامج أكثر إمتاعًا مما نُشاهده على القنوات المفتوحة دون إعلانات، لكن اكتشف أن معظم البرامج المعروضة قديمة، وتُعرض فواصل ترويجية – مثل الإعلانات، الفارق أن هنالك بضع ساعات من البرامج الجديدة فقط، لذا من الغباء دفع اشتراك 100 – 200 دولار سنويًا مثلًا لمشاهدة بضع مسلسلات أو برامج جديدة وحسب.
كتبت سابقاً عن الحوسبة بلا شبكة وفيه أذكر أهمية أن يستطيع الفرد استخدام حاسوبه عندما لا تكون هناك شبكة، بالاعتماد على برامج في الجهاز وملفات متوفرة له، هناك أدوات لفعل ذلك وتوفر المعاجم والمصادر في الجهاز أمر أشجعه وأتمنى عودته كما كان في الماضي عندما كانت تباع كبرامج رخيصة نسبياً يمكن تثبيتها على الجهاز.
الاتصال بالشبكة في هذا الوضع يكون للضرورة فقط وأراه أمر إيجابي لمن يريد التركيز على العمل، الشبكة فيها الكثير مما يشتت الذهن ويصرفه إلى كل اتجاه.
للأسف التقنية لا تبسط حياتنا، زادت حياتنا تعقيدًا بسببها
كان يمكننا في الماضي ان نقول الجملة السابقة بثقة ولكن الآن أصبحت جملة رنانة لأصحاب الشركات والتطبيقات وغيره.
نعم، كان بإمكاننا أن نقول الجملة بثقة في الماضي، لماذا؟ طبيعة الشركات اختلفت فقد كانت تتنافس على رضى الناس والآن تتنافس على سجن الناس في حدائقها ذات الجدران العالية ومنعهم من الانتقال لأي منافس.