
(1)
شاهدت برنامج في قناة NHK اليابانية عن ظاهرة حياة الاستلقاء، يمكنك مشاهدته مجاناً على الشبكة لكن افعل ذلك قبل 23 يناير المقبل لأن البرنامج سيسحب بعد ذلك، البرنامج عرض في أكتوبر 2021 وقد بدأت هذه الظاهرة في أبريل 2021 كما تقول ويكيبيديا، لكن الفكرة لا شك بدأت منذ سنوات في أذهان العديد من الناس الذين تعبوا من الجري في حياة لا راحة فيها ولو مؤقتاً، في الصين لديهم ثقافة العمل 996، العمل لشركة من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساء ولست أيام في الأسبوع، يعود الفرد من هذا الدوام اليومي متعباً وبالكاد لديه وقت لعشاء ثم نوم ثم تكرار ذلك في اليوم التالي، يوم واحد إجازة لا يعوض أي شيء.
الصين أيضاً لديها مشكلة بسبب سياسة الطفل الواحد حيث عدد الذكور أكبر من عدد الإناث والفارق كما سمعت في البرنامج يصل إلى 17 مليون، بمعنى أن هناك أناس لن يستطيعوا الزواج مهما حاولوا، الحلم الآخر الذي يسبق الزواج هو امتلاك منزل أو على الأقل شقة وقد ارتفعت أسعار العقارات وأصبحت بعيدة المنال لقطاع كبير من الشباب وكثير منهم يرى استحالة شراء منزل بالراتب الذي يكسبه، سمعت في البرنامج من يقول بأنه يمكنه شراء بيت بالراتب الذي يكسبه عندما يصل إلى عمر ثمانين عاماً!
حركة الاستلقاء بدأها أناس يأسوا من الدوامة التي أكلت أرواحهم ويريدون حياة أبسط، أحدهم تحدث في البرنامج قائلاً بأن حياة الاستلقاء تعني بالنسبة له الحرية، هو يعمل لمؤسسة لكنه يفعل الحد الأدنى من المطلوب لكي يمول أسلوب حياته حيث يتجول في المدن ويصور وينشر على الشبكات الاجتماعية.
الناس يريدون الهروب من آلة الرأسمالية التي لا ترحم، المشكلة أن الهروب من هذه الآلة له عواقب إن لم يكن هناك دعم اجتماعي، هؤلاء الباحثين عن حياة أبسط قلة وأفراد ولا يجدون أي دعم أو تشجيع من الآخرين وخصوصاً أسرهم، وهناك حقيقة أنهم سيصبحون كباراً في السن ويحتاجون من يرعاهم، لا أظنهم ضد الزواج أو امتلاك منزل لكنهم يرون استحالة حدوث ذلك فلم يحاول الفرد السعي نحو هدف يعلم أنه مستحيل.
(2)
أيضاً في نفس القناة شاهدت برنامج عن الشاحنات الصغيرة، يمكنك مشاهدته وسيسحب البرنامج في 31 مارس المقبل، سأبقى دائماً معجب بسيارات كاي في اليابان، هذه السيارات لها مواصفات تحدد طولها وعرضها وحجم المحرك لكن لا تحدد الارتفاع ولذلك مصنعي السيارات صمموا سيارات مرتفعة تعطي مساحة كبيرة للركاب ويبقى حجم السيارة صغير، نسبة سيارات كاي في اليابان تصل إلى ما يقرب من 40% من كل السيارات وهذه نسبة كبيرة.
في البرنامج رأيت من حول شاحنات كاي إلى بيوت متحركة ومثل مقدم البرنامج أجدني أستغرب أن يعيش شخص فيها دائماً، أفهم أن يستخدمها في رحلة لكن أن يعيش دائماً في مكان ضيق؟ هذا لا أستطيع فعله.
(3)
سبق أن كتبت عن عدم مشاهدتي للتلفاز والاستثناء من ذلك هي القناة اليابانية لسبب رئيسي وهو عدم وجود إعلانات، قد تكون هناك رعاية من شركة ما لأحد البرامج لكن لا يقطع أي برنامج أي إعلان، البرنامج يعرض بالكامل دون مقاطعة وهذا أمر رائع، الثاني أن القناة لديها مجموعة برامج تعرض في اليوم أكثر من مرة لذلك إن فاتك شيء منها في الصباح يمكنك مشاهدته في المساء.
لم أشاهد هذه القناة منذ سنتين أو أكثر، هذه المرة لاحظت أن ما كنت أعتبره سلبية في الماضي تغير ليصبح إيجابية، عند مشاهدة قناة تلفاز لا يمكنني التحكم بما أراه، لا يمكن التقديم أو التأخير، لا يمكن القفز لنقطة بعيدة في البرنامج، الاختيار الوحيد هنا هو إما أشاهد أو لا أشاهد وعلي أن أشاهد في وقت عرض البرنامج وإلا فاتني، أدرك أنهم يضعون البرامج في الشبكة لمن يريد مشاهدتها لكن حتى هذه تسحب.
أقارن هذه البساطة بالكم الهائل من المحتوى المرئي المتوفر في يوتيوب ومواقع أخرى، هناك اختيارات لا نهائية لأي شخص ومجاناً وإن دفعت اشتراك لبعض الخدمات تزداد الخيارات وهذا يعني ازدياد حيرة المرء وانخفاض سعادته بما يختار.
بدأت مشاهدة هذه القناة لأول مرة قبل ٦ سنوات تقريبا
وأصبحت القناة المفضلة لدي خاصةً وقت الفطور/الغداء لأن مثل ما ذكرت ساعدتني بعدم الحيرة بالاختيار وتوفير الوقت الي يذهب في البحث وقلة إعلانتها..
بالإضافة الى انها مصدر ممتاز لممارسة اللغة الإنجليزية بسبب تنوع برامجها 🙂
سعيد أن هناك من يشاهدها، القناة مثال للتلفاز الجيد الذي يستحق المحاكاة، بعض برامجها … مريحة! لا أدري كيف أصفها، تجعلني أشعر بالسلام والهدوء 🙂
الاستلقاء حلّ مبدئي لمشكلة التعب الدائم بلا نتيجة كما ذكرت وأراه تصرفاً إيجابياً لأنه سيعطي فرصة التفكير للمستلقي لكي يصل لفكرة ما عن الحياة التي يريد أن يعيشها حقاً وليس نوع القالبي للحياة التي يريده المجتمع أن يعيشها.
السيارات التي تحوي بيوتاً عملية في حال رغب شخص ما في السفر لأجزاء بعيدة من العالم كنوع من السياحة بشرط أن تكون مساحتها كافية وليست ضيقة .. أما الحياة الدائمة فيها فأتفق معك أنه خيار غير عملي .. الانسان يحتاج الى مكان ثابت ليعيش به ولو لفترة ما وحتى البدو الرحّل لديهم خيام يضربونها ولا يقضون حياتهم في تنقل دائم.
الظاهرة الصينية بدأت كحركة مقاومة غير منظمة لكن أفكارها لا شك هي نفس أفكار أناس حول العالم يرون الوضع الحالي للعالم ويريدون الهروب منه لحياة أبسط، ما أتمناه هو تحول الحركة لشيء منظم أكثر وعالمي، الناس الذين يتحدثون عن التبسيط في المدونات والكتب منذ عقود لم يحولوا هذا النقاش إلى تغيير الوضع الاقتصادي والسياسي بل يركزون على ما يمكن للفرد فعله ضمن النظام الاقتصادي الحالي … هذا لا يكفي كما أرى.
الحياة الروتينية مملة، زد عليها صعوبتها و عدم الوصول لأي نتيجة مرضية. هذا ما يصيب الناس بالإحباط.
والإحباط يقودهم للتفكير في التغيير وفعل شيء مختلف وبعضهم يفعل ذلك.
قرأت مرة أن كثرة الذكور في الصين ليس بسبب الطفل الواحد فقط، بل بسبب حالات الإجهاض حيث الأفضلية للمواليد الذكور.
حل كثرة المحتوى سهل. الاشتراك في قنوات محددة ذات اهتمامات محددة و ذات محتوى جاد. المحتوى ذو الطابع الكوميدي يضيع الوقت في “الإفيهات” أكثر من المحنوى المفيد.
صحيح ما تقوله، يجهضون البنات ويفضلون الذكور، ذكرني بما يفعله أهل الجاهلية من وأد البنات.