النشر في الويب كان بطيئاً في البداية، في بدايات الويب قلة من الناس كانوا يملكون القدرة على شراء مساحة خاصة بهم وعنوان ولذلك ظهرت خدمات مجانية مثل جيوسيتيز لتوفر مساحة تقاس بالميغابايت للمواقع وقد كانت مساحة كبيرة في ذلك الوقت عندما كانت أحجام الملفات تقاس بالكيلوبايت، كانت هناك مقالات وكتب عن تصغير أحجام الملفات لأقصى حد حتى يستغل الناس المساحة بكفاءة، النشر ما زال بطيئاً ويعتمد كثيراً على جهد يدوي.
المنتديات كانت البوابة الأولى للكثير من الناس، انضم لمنتدى وابدأ في الكتابة وبعض المنتديات كانت تضع حداً أدنى لعدد الحروف وكان على العضو أن يكتب المزيد لكي يستطيع نشر الموضوع، كتابة مواضيع طويلة كان أمراً مألوفاً، واجتماع الناس في مكان واحد يعني نشر كثير من المواضيع والردود ونشاط مستمر طوال اليوم، في ذلك الوقت كان على الفرد أن يتصل بالإنترنت ولم يكن هناك اتصال دائم، لذلك من الطبيعي أن يتصل الشخص في الصباح الباكر ويقرأ جديد المواضيع والردود في الأقسام التي تهمه، يكتب بعض الردود وقد ينشر موضوعاً ثم يغلق الاتصال، يعود في الليل وكله حماس لمعرفة كم رد حصل عليه موضوعه.
جاء التدوين وجاءت معه خدمات التدوين، المستخدم ليس بحاجة للتفكير في مساحة أو التصميم، اختر تصميماً وربما غير ألوانه وبعد ذلك ابدأ بالكتابة، أسلوب النشر موحد بين المدونات وقريباً سيصبح مألوفاً، المحتوى ينشر في الصفحة الرئيسية من الجديد إلى القديم، كل موضوع له مكان في أرشيف شهري وكل موضوع له صفحة خاصة، كل هذا يحدث دون أن يفعل المستخدم أي شيء، محرك المدونة ينظم كل شيء، التدوين نشاط فردي وقد انتشر الناس بين المدونات ويضعون روابط لبعضهم البعض.
جاءت الشبكات الاجتماعية وعادت لجمع الناس في مكان واحد لكن بأسلوب مختلف، لا حاجة لأقسام المنتديات، لا حاجة لكتابة مواضيع طويلة، خطوط الاتصال بالشبكة تزداد سرعة وأصبحت تتصل بالإنترنت طوال الوقت، يمكن الآن المشاركة بالصور والفيديو، ويمكن الرد بالإيموجي والصور المتحركة، تويتر جاء وجعل النشر أسرع من أي وقت مضى، لديك 140 حرفاً فقط وزاد عدد الحروف لاحقاً لكن النشر السريع لم يتغير.
ازدياد سرعة النشر وتقلص حجم المنشور، هذا ما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية وبالطبع هناك استثناءات، انظر إلى تويتر وتيكتوك وهذا الأخير كان سبباً لتغير إنستغرام لموقع فيديو وكذلك إدخال موقع يوتيوب لخاصية مقاطع الفيديو القصيرة، الهدف من زيادة السرعة هو زيادة التفاعل وسرعته ونتيجة ذلك أن قضايا مهمة كانت في الماضي تأخذ أياماً وأسابيع من الناس ومن الصحف أصبحت الآن تأخذ ساعات فقط، كل قضية لها ذاكرة قصيرة ويقفز الناس من قضية إلى أخرى في وقت قصير، من غضب لآخر من احتراق لآخر حتى يشعر أحدنا بأنه مستهلك ومتعب مع أنه لم يفارق الكرسي.
لذلك بعض الناس يتجهون للخيارات الأبطأ:
- مبيعات أقراص الفنونغراف تزداد منذ سنوات، في 2021 تفوقت مبيعاتها على الأقراص الضوئية بفارق 450 مليون دولار.
- مبيعات الكاسيت تزداد، أرقام صغيرة لكن تعطيك فكرة أن هناك أناس يعودون لهذه التقنية القديمة.
- مبيعات الأفلام وكاميراتها تزداد.
- الكتاب الورقي لم يمت بل مبيعاته مرتفعة، كم مرة قرأت من يعلن موت الكاتب الورقي في العشرين عاماً الماضية؟
- كثير من الناس يستخدمون الورق والقلم لتنظيم شؤون حياتهم.
- بعض الناس يستخدمون الورق والألوان لصنع رسومات.
- بالأمس أقرأ مقال عن عودة المجلات الورقية، ويبدو أن الوقت قد حان لحدوث ذلك .. هذا ما أتمناه.
البعض قد يصف العودة لهذه التقنيات القديمة بأنه نوع من الحنين للماضي أو “نوستاليجا” في حين أن أرقام المبيعات تخبرنا أن أجيالاً لم تعاصر هذه التقنيات تجربها وتستخدمها وتجد فيها ما لم تجده في التقنيات الرقمية، سبق أن وضعت رابطاً في موضوع روابط في بدايات هذه المدونة والرابط يتحدث عن القاموس الورقي ومقارنته بالقاموس الرقمي، عندما تريد أن تجد إجابة بسرعة فالقاموس الرقمي أفضل، القاموس الورقي يقدم فرصة لمعرفة أشياء لم تكن تبحث عنها ويحتاج منك صبراً على استخدامه.
عندما تصبح مزارع المحتويات المزيفة هي الغالب على محتويات المواقع والشبكات الاجتماعية ستكون التقنيات القديمة هي الملجأ للباحثين عن محتوى يصنعه الناس للناس.