كيف تقضي وقتاً مع نفسك

المصدر

في الموضوع السابق تحدثت عن التعلق بالناس وكيف أن هذا مصدر للهم، وإن أراد المرء ألا يجعل سعادته تعتمد على الآخرين فعليه أن يستعين بالله ثم أن يجد في نفسه كفاية، بمعنى أن تقضي وقتاً مع نفسك، مهما صاحبت من الناس فلن تصاحب أحداً كما تصاحب نفسك، أنت تعيش معها طوال الوقت، لذلك يجد بعض الناس صعوبة في قضاء وقت لوحدهم لأن عليه مواجهة أنفسهم وأفكارهم ومشاعرهم ويهربون من كل هذا بالبحث عن الرفقة التي تشغلهم عن كل هذا.

نفسك التي تهرب منها ستكون معك في كل وقت، لا فائدة من الهروب، إن كنت لا تحب ما تراه في نفسك فليس الحل أن تهرب منها بل تقبلها كما هي، تقبل نفسك بعيوبها وأخطائها، ولا يعني ذلك ألا تعمل على تهذيب نفسك بل يعني فقط أن تقبل حقيقة نفسك لأن هذا هو أول الطريق لتهذب نفسك.

تقبل نفسك كما هي لن يكون سهلاً لكن عليك أن تحاول، نحن نقسوا على أنفسنا أكثر مما ينبغي في حين أننا لا نعامل الآخرين بنفس القسوة، ولهذا ينصح البعض بأن تعامل نفسك كأنها صديق، أعلم أن هذا كلام فلسفي وقد يبدو فارغاً لكن المهم هنا هو ألا تقسو على نفسك، تقبلها بعيوبها وتقبل حقيقة أن تهذيب النفس أمر يحتاج لوقت طويل ولن يحدث في يوم وليلة، ستسير خطوات للأمام وستخطأ وتسقط، قم من مكانك وعد للسير بدلاً من أن تبقى على الأرض تلوم نفسك.

الآن كيف تقضي وقتاً مع نفسك؟ هذا أمر عليك أن تكتشفه بنفسك، شخصياً ومنذ كنت طفلاً وجدت سعادتي في أن أكون بعيداً عن الناس، بإمكاني مخالطتهم وبإمكاني أن أكون اجتماعياً وقد كنت لفترة في سنوات مضت، لكن طبيعتي هي حب العزلة، لذلك لا أجد مشكلة في قضاء وقت طويل بعيداً عن الناس.

أنت في الغالب شخص مختلف، ربما تجد في العزلة صعوبة لأنك بطبيعتك شخص اجتماعي، العزلة لا يعني الانقطاع التام عن الناس بل أن تجعل لنفسك وقتاً، كم مدة هذا الوقت؟ لا أدري، هذا شيء يعود لك وعليك استكشاف ذلك وفي الغالب ستتغير المدة بحسب أوضاعك.

ما الذي تفعله في هذا الوقت؟

مارس التأمل، التأمل هنا لا يعني بالضرورة أن تجلس على الأرض وتغلق عينيك، التأمل هو أن تركز على فعل شيء واحد وتنتبه له وتنسى الماضي والمستقبل وتركز على الحاضر وعلى اللحظة التي تعيش فيها، يمكن ممارسة ذلك بطرق عديدة، عندما تكون في عبادة فحاول أن تركز عليها وتنسى كل ما سواها، عندما تمشي أو تمارس الرياضة يمكنك ممارسة التأمل، يمكنك كذلك أن تبحث عن كرسي جيد وتجلس ولا تفعل شيئاً سوى الجلوس لدقائق قليلة.

القراءة، لا تحتاج مني لأشرح لك ما تعنيه القراءة، اقرأ كتاباً وانتبه له ولما يقوله المؤلف وأغلق أي ملهيات، التلفاز لا يحتاج أن يعمل طوال الوقت، الهاتف ضعه على وضعية الصامت، الدنيا بإمكانها أن تنتظر وأنت تقرأ.

اعتني بنفسك، هناك أمور صغيرة على أحدنا أن يفعلها لكي يحافظ الفرد على صحته الجسدية والنفسي، النظافة الشخصية ونظافة المكان، التخلص مما لا تحتاجه من أشياء، أن تتناول طعاماً صحياً وهذا قد يعني أن تعد لنفسك الطعام والطبخ مناسبة أخرى لممارسة التأمل، أن تكتب بعض أفكارك على الورق بدلاً من أن تتركها تجري في عقلك، العناية بالنفس موضوع يحتاج لمقال خاص به.

مارس هواية ما، إن كان لديك وقت فارغ وتشعر بالوحدة فحاول أن تبحث عن شيء تفعله، هناك مئات الأشياء التي يمكن فعلها، تعلم صنعة ما تجعلك تستخدم يديك وتبتعد عن الهاتف والحاسوب، مارس هواية تحتاج منك للخروج من المنزل مثل التصوير، ولست بحاجة أن تصل للاحتراف وإلى أفضل المستويات عندما تمارس الهواية، على العكس أنصح بأن تمارسها للمتعة فقط وليس لأي شيء آخر، إن كنت سيئاً في هذه الهواية فلا بأس ما دمت تجد فيها متعة.

هذا كل شيء، إن كنت ممن لا يحبون قضاء وقت لوحدهم فتعلم فعل ذلك بالتدريج، نفسك تحتاج منك أن تبتعد عن صخب الحياة لتسمعها وتفهمها وهذا سيعينك على صعوبات الحياة.

2 thoughts on “كيف تقضي وقتاً مع نفسك

  1. >>ولست بحاجة أن تصل للاحتراف وإلى أفضل المستويات عندما تمارس الهواية، على العكس أنصح بأن تمارسها للمتعة فقط وليس لأي شيء آخر، إن كنت سيئاً في هذه الهواية فلا بأس ما دمت تجد فيها متعة.
    هذه نصيحة مهمة جداً، لا بد من التفريق بين مصطلحين متداخلين: الهواية والموهبة: حيث أن عدد من الناس هوايتهم هي نفسها موهبتهم، لكن الهواية ما يهواه الشخص وليس بالضرورة أن يتميز ويحترف فيها

    1. لم أفكر بذلك من قبل، معك حق، لا بد من التفريق بين الهواية والموهبة أو المهارة، المهم عند ممارسة الهواية ألا يحولها الشخص لعمل جاد في حين أنه بدأ بنية أن يرفه عن نفسه.

Comments are closed.