هناك دائماً فجوة بين ما نتخيله والواقع، بين ما نخطط له وما يحدث.
ما تخيلته أن الانتقال سينجز خلال أيام، يأتي يوم أعرف أن البيت جاهز تماماً وأبدأ بنقل الأشياء ثم وبسرعة أجد نفسي أنام في مكان جديد وعلي الاعتياد على ذلك، هذا لم يحدث وبدلاً من ذلك يبدو انتقالنا للبيت ينجز ببطء، كل أسبوع نذهب مرة لنقل بعض الصناديق ورؤية أي تغيير في المنزل، ومع فعل ذلك بدأت الاعتياد على استخدام الغرفة الجديدة، هناك توضأت وبحثت عن اتجاه القبلة وصليت، ولو كان هناك كرسي لجلست وقرأت كتاباً لتمضية الوقت، ومع تكرار الزيارات أصبح المكان مألوفاً، كنت أظن أن الانتقال سيضطرني لقضاء أيام أو أسابيع في الاعتياد على المكان الجديد، لكن هذا في الغالب لن يحدث.
أختي اشترت جهاز مصباح وقارئ للقرآن، الجهاز من صنع شركة صينية، له جهاز تحكم عن بعد ويمكن التحكم به من خلال الهاتف كذلك، الجهاز يحوي تلاوات بأصوات مشايخ عدة وقد تركته يعمل ويتلو القرآن بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله، بالأمس وضعت جهاز آخر مماثل في غرفة أخرى، اخترت تلاوة الشيخ سعود الشريم حفظه الله، هذا ذكرني بانتقالنا لهذا البيت قبل خمس وثلاثين عاماً، أذكر أبي رحمه الله كان يمشي في المنزل ويذكر الله ويقرأ القرآن.
الجهاز ذكرني بسنوات عندما كان لدي مذياع وكان يعمل طوال الوقت وكنت أستمع لإذاعة القرآن الكريم من أبوظبي، الفرق أن الإذاعة كانت تقدم برامج مختلفة وكنت استمتع بالاستماع لها، هناك برنامج لأسئلة الناس الفقهية وهناك برامج نقاش لقضايا فكرية مختلفة وهناك حتى برنامج صباحي خفيف، وفي كل ليلة هناك تلاوة لسورة البقرة، ثم جاء تغييران للإذاعة جعلني أتوقف عن الاستماع وأتخلص من المذياع، الأول هو الغناء أو الإنشاد بين البرامج، لا زلت أذكر تلك الليلة التي استيقظت فيها على صوت المنشدين وهم يرددون “إذاعة القرآن الكريم من أبوظبي … من أبوظبي” وكنت في تضايق شديد لدرجة بدأت أضرب فيها المذياع مرة بعد مرة لأسكته! لا ذنب له لكنها كانت لحظة النهاية بالنسبة له، أعطيته لشخص آخر.
التغيير الثاني كان إضافة الإعلانات التجارية ورعاية شركات لبعض البرامج، أفهم حاجة الإذاعة لدعم نفسها لكنها كانت إذاعة حكومية وحالياً أظن أنها حكومية أو شبه حكومية وأرى أن إذاعات القرآن يجب أن تكون مدعومة بالكامل من قبل الحكومة أو بدعم خيري يجعلها مستقلة وليست بحاجة للمعلنين، كم هو مزعج حقاً أن ألاحظ التباين بين المحتوى الديني للإذاعة والإعلانات التجارية التي تحشى بين البرامج.
لذلك قد أشتري هذا الجهاز وأضعه في غرفتي، على الأقل أضمن أنه لن يغني ويوقظني من النوم.
أمر آخر بدأ في المنزل وهو الزراعة، بداية صغيرة بشتلات وأشجار قليلة:
هناك مساحات رملية حول المنزل أود زراعتها وقد أحتاج لإذن من البلدية لفعل ذلك، كذلك أود رؤية نباتات داخل المنزل.
هذا كل شيء، لا أدري متى سأنتقل ولم أعد أنتظر، عندما يأتي اليوم الانتقال سيحدث هذا دون أن يصبح مناسبة كما تخيلتها، سأنقل الكرسي والحاسوب وكرسي القراءة وأضعها في الغرفة ومع وجود اتصال بالشبكة سأتمكن من ممارسة يومي كالمعتاد، لكن الآن كتبت هذه الكلمات ولا شك لدي أن الأيام ستثبت أنني على خطأ!






















تقنيات تشغيل الصوتيات التي مرت علي كانت بهذا الترتيب: الكاسيت، الأقراص الضوئية ثم الترانزستور، وأشعر بأن الترانزستور هو نهاية الخط هنا لأن مشغلات MP3 ظهرت في أواخر التسعينات والهواتف الذكية تستخدم نفس تقنية التخزين، ارتفع أداء التقنية والمساحات التي تقدمها لكنها نفس الفكرة التي ظهرت قبل ثلاثين عاماً.