ضع حدوداً لنفسك لتبدع

كتبت مراجعة للعبة Crimson Diamond قبل أربعة أشهر ومنذ ذلك الوقت أجدني أفكر باللعبة وبالتحديد الرسومات لأنها صنعت بإتقان وبعدد محدود من الألوان، هذا ما يجعلها مثال ممتاز للإبداع بوضع حدود لما يمكنك أن تفعله، مطورة اللعبة كان بإمكانها استخدام كل الألوان المتاحة في الحواسيب الحديثة لكنها اختارت محاكاة ألعاب الماضي وبالتحديد لعبة لورا باو: وصية الكولونيل، هكذا وضعت حداً لعملها لكن الحدود ضرورية للإبداع.

الخيارات اللانهائية تعني أنك ستقضي كثيراً من الوقت في التردد بين الخيارات وربما لن تختار شيئاً وستتوقف عن العمل لأن هناك الكثير من الاحتمالات، وضع حد لما يمكنك اختياره يساعدك على التركيز والإنجاز وربما الإبداع، وهذه الفكرة يمكن أن ترى تأثيرها في كل شيء، قائمة المهام التي تحوي ثلاث مهام قد تكون أكثر فعالية من قائمة تحوي تفاصيل عشرات المهمات والمشاريع، شركة أبل كادت أن تفلس في التسعينات لأسباب عدة ومن بينها تقديم العشرات من الخيارات لمنتجاتها، لإنقاذها قرر ستيف جوبز إلغاء كل الخيارات وتقديم أربعة فقط، حاسوب مكتبي ومحمول لعامة الناس (آيماك وآيبوك) وحاسوب مكتبي ومحمول للمحترفين (باورماك وبوربوك)، التبسيط ساعدهم على تقليل التكاليف وساعد الناس على معرفة الحاسوب المناسب لهم.

أعود للعبة الألماس الأحمر .. أو الألماس القرمزي؟! اللعبة تستخدم رسومات بمقياس 320 بكسل × 200 وهذا حجم صغير لكن مناسب للشاشات الحديثة حيث الرسومات تصبح أكبر لكن لا تفقد دقتها، مساحة الشاشة تحوي 64 ألف بكسل وهذا رقم كبير بلا شك، المطورة رسمت كل بكسل في كل شاشة لكن تصور لو أنها اختارت دقة شاشات Full HD؟ هذه الدقة تأتي بمقياس 1980 × 1080 وعدد البكسل الكلي يصل إلى 2138400 بكسل، أو أكثر من 2 مليون بكسل، رسم شاشة بهذا الحجم سيعطي المطورة مساحة أكبر للتفاصيل لكن ستأخذ كل شاشة وقتاً أطول ويتضاعف حجم العمل.

اللعبة تستخدم ست عشر لوناً فقط أو بالتحديد ما يسمى بوضع EGA، الحواسيب الشخصية من آي بي أم بدأت بعدد قليل من الألوان في 1981 ثم انتقلت إلى وضع EGA في 1984 وكان هذا الوضع يقدم ست عشر لوناً ويمكنه عرض 64 لوناً لكن لا أعرف لعبة استخدمت كل هذه الألوان، كثير من ألعاب الثمانينات استخدمت هذا الوضع ومن بينها لعبة مهمة الملك:

أنظر للشجرة وظلها، كلاهما يستخدمان نفس اللون، اللعبة طورت في أوائل الثمانينات ورسوماتها كانت بسيطة، وبعد سنوات من تطوير ألعاب بهذا الوضع طرحت الشركة آخر لعبة لها تستخدم ست عشر لوناً وهي لعبة لورا باو في 1989:

نفس عدد الألوان لكن الرسومات تبدو متقنة أكثر وفيها تفاصيل أكثر، ولعبة Crimson Diamond ترفع مستوى الرسومات باستخدام نفس العدد من الألوان، خذ مثلاً هذه اللقطة:

هذه الصورة جزء من المقدمة ولقطة لن يراها اللاعب إلا ثواني قليلة لكن لاحظ كم التفاصيل فيها، قد تظن أن هناك أكثر من ست عشر لوناً لكن هذا سببه خلط الألوان باستخدام تقنية تسمى Dithering وهو استخدام لونين بجانب بعضهما البعض، علينا أن نقترب من الصورة لنرى ذلك:

لاحظ انعكاس الورد على الدلو، المطورة لا شك قضت الكثير من الوقت في رسم كل نقطة هنا، لاحظ أن الدلو لونه رمادي لكن خلط مع ألوان أخرى، الأخضر على اليسار، والأزرق الفاتح في المنتصف والغامق على اليمين، وكل هذا الجهد للقطة عابرة في أول اللعبة، هذا مثير للإعجاب.

لقطة أخرى من اللعبة والمكان المفضل في اللعبة، على محدودية الألوان استطاعت المطورة صنع غرفة رائعة بتفاصيل كثيرة، لاحظ الظلال على الجانب الأيسر من الصورة حيث استخدم لونين لتصبح الجدران غامقة لتخبرك بأن أشعة الشمس تأتي من ذلك الاتجاه، بينما الجدار الأيمن تصله أشعة الشمس ويستخدم لون الأحمر فقط.

تصور رسم نفس اللقطة لكن بدقة أعلى وعدد لا نهائي من الألوان، هل سيكون له نفس التأثير؟ لا أظن ولا أقول أن رسمه بهذه الألوان هو الخيار الوحيد، عدد الألوان المحدود هو المهم، هناك ألعاب فيديو كثيرة استخدمت عدداً محدوداً من الألوان، هذه ثلاثة أقترح تجربتها:

  • جورني (Journey): واحدة من أجمل الألعاب على الإطلاق وتستحق لها مكاناً في متحف الفنون، كل مرحلة من اللعبة تستخدم ألوان قليلة.
  • بورتال (Portal): الجزء الأول والثاني من اللعبتين يستحقان التجربة وكلاهما يستخدم الألوان لإغناء تجربة اللعبة.
  • أوبرا دن (Obra Dinn): اللعبة تستخدم لونين فقط، مع ذلك اللعبة حققت نجاحاً كبيراً.

أياً كان مجال عملك أو شغفك ستجد أن تقليص الخيارات ووضع حدود لك سيساعدك على اتخاذ القرارات والإنجاز، ويمكن كذلك أن يدفعك للإبداع.

2 thoughts on “ضع حدوداً لنفسك لتبدع

  1. أعتقد أن هذا يدخل فيما يسمى فخ الـ Scope Creep (تمدد النطاق، كما يقول قوقل)
    شكرًا على التدوينة، جاءت في وقتها.

    1. عذراً على التأخير في الرد، كنت شبه منقطع عن الشبكة، ونعم هو هذا الفخ، وهو فخ تقع فيه المؤسسات كذلك في مشاريعها، يمكن تجاوز الفخ بوضع حد أدنى وحد أعلى لما يجب أو يمكن فعله.

Comments are closed.