ما الذي تحمله معك عندما تسافر؟

flew-trunkلا يحمل أحدنا منزله بالكامل عندما يسافر، ليس لدينا التقنية التي تسمح لنا بفعل ذلك بعد، العالم سيصبح قبيلة بدوية عندما يكتشف تقنية تسمح له بوضع كل شيء في حقيبة تحوي داخلها عالماً أكبر من حجمها، إلى ذلك الحين؛ عندما يسافر أحدنا يحمل معه حقيبة محدودة المساحة.

وبعضنا يدرك بعد السفر أن ما كان يحمله في حقيبته يكفيه ليعيش أسبوعين أو ثلاثة بدون مشكلة، فلم لا يمكنه العيش مع هذا القليل لبقية حياته؟ بدلاً من خزانة ملابس يكفيك أن تملك بعضها، وما يحويه منزلك من ممتلكات لم تحملها معك في سفرك ربما لا تحتاجها حقاً، ورقمياً يجد أحدنا أن جهازاً واحداً يغنيه عن كل شيء آخر، ربما الهاتف الذكي فهو قادر على تقديم وظائف كثيرة اليوم.

الآن تصور لو أنك تحمل حقيبة أخرى معك في سفرك وهذه الحقيبة لن تحوي إلا الأفكار والأهداف والمشاكل الضرورية التي يجب أن تفكر بها، ما الذي ستحويه هذه الحقيبة؟ الحقيقة هنا أننا عندما نسافر فنحن نحمل معنا كل أفكارنا وأهدافنا ومشاكلنا ونحمل معنا الماضي فهو جزء منا.

لكن من ناحية أخرى البعض يستطيع أن يترك خلفه جزء من الأفكار والأهداف والمشاكل، مثلاً البعض يضع حاجزاً صارماً بينه وبين العمل، عندما يسافر فهو في إجازة ولن يعمل بأي شكل ولا حتى يسمح للعمل بالتواصل معه أثناء السفر، بل البعض يذهب أبعد من ذلك ويستخدم برنامجاً يحذف كل البريد الإلكتروني الذي يصلهم أثناء السفر والإجازة.

إن كان بالإمكان أن تعيش بما تحويه حقيبة الأشياء فما الذي يمكنك أن تتركه خلفك لأنك لا تستطيع أن تضعه في حقيبة الأفكار؟ أدرك بأن الأمر ليس سهلاً فأنا أعاني من التفكير في كل شيء، اليوم مثلاً تذكرت أموراً محرجة تجعلني أحجم عن العودة للتفاعل مع الناس في المجتمع على أرض الواقع، لأنني أخشى أن يتذكروا ما يحرجني والآن هذا خوف يقيدني وحقيقة هذا خوف يعيش معي منذ عقدين الآن.

ممارسة الإدراك تحتاج منك أن تكتب بالورق والقلم، ضع قائمة لكل الأفكار والمشاعر الإيجابية والسلبية، لكل الأهداف والتطلعات، ثم بقلم آخر ضع خطاً فوق ما يمكنك أن تتخلص منه، لو أن أحدنا يعيش ألف عام لما كفته الألفية ليحقق كل شيء يريد، فاحذف بعض أهدافك وتطلعاتك، ضع خطاً فوقها وحاول أن تعش بسلام مع ذلك … هذا ليس سهلاً لكن يحتاج منك ومني أن نبدأ بفعل ذلك.

ما نسيته

مقطع الفيديو أعلاه هو لقاء مع ياباني يصف نفسه بأنه “منيميلست” وهي كلمة بدأت تضايقني عندما يتحدث الناس عن تبسيط حياتهم، ربما لأنها تستخدم كتصنيف؟ أنا أمارس التبسيط لكن لن أصف نفسي بأني تبسيطي! أو لأنها تستخدم كثيراً في سياق التصميم في حين أنني أفضل كلمة التبسيط عند الحديث عن تبسيط الحياة.

على أي حال، الرجل كان يعيش في فوضى ويقول بأنه كره نفسه ولم يكن يمارس التنظيف والترتيب كما يريد، وفي اليابان كانت هناك موجة التبسيط وهذا ألهمه ليمارس التبسيط، ويرى أن يمارس التبسيط هم في الغالب أناس لا يحبون التنظيف والترتيب وبالتالي يمارسون التبسيط ليوفروا على أنفسهم العناء.

سبق أن قلت بأن التبسيط يلغي الحاجة للتنظيم، عندما تكون لدي أشياء قليلة فلن تحتاج لتنظيمها، التنظيم يصبح حاجة فقط عندما تزداد الأشياء.

الرجل في الفيديو يقول بأن التبسيط جعله يقدر أكثر وقته وهذا ما دفعه للاستقالة من عمله ليركز على فعل ما يريده وهو الكتابة وهو الآن راض عن حياته بدلاً من الانتظار حتى يصل إلى الشيخوخة ليكون راضياً.

هذا ملخص سريع للفيديو، الفيديو ذكرني بأنني أريد ممارسة التبسيط لكن علي أن أكون واعياً أكثر بذلك لأن الفوضى تعود، فوضى الأشياء وفوضى الأفكار والملهيات، أن تبسط الأشياء فهذا سهل، يمكن التخلص بسهولة من الأشياء التي اشتريتها ولست بحاجة لها، لكن كيف تتخلص من الأفكار التي لا حاجة لها؟ كيف تمرن نفسك على أن تركز وتصبح واعياً بأفكارك وقراراتك طوال اليوم؟ هذا أمر أود الحديث عنه أكثر وأود تعلمه أكثر، لأنني نسيت كم هو مهم لتبقى الحياة بسيطة، لأن العالم الآن متخم بما يشتت الانتباه.

هذا الموضوع بداية للحديث عن التبسيط أكثر في هذه المدونة.

“في يوم ما” إجابة لا تكفي

بداية العام الجديد وقت مناسب للتنظيم والترتيب والتبسيط، وأنت تقرأ هذه الكلمات سأفعل التالي:

  • سأخرج كل شيء أملكه من الصناديق والأدراج.
  • كل شيء سيجعلني أسأل إن كنت بحاجة له أم لا.
  • الأشياء التي لا أريدها سأتخلص منها، سأعطيها لمن يريدها.
  • أنظم ما تبقى بطريقة أفضل إن أمكن ذلك.
  • بقي تنظيف كل شيء من الغبار.

كثير مما لدي موجود بسبب “مشاريع” أردت إنجازها في الماضي وتراكم التسويف الذي له وزن وصناديق، هذا حاسوب محمول صغير اشتريته في العام الماضي وما زال في صندوقه، هذه ألوان اشتريتها قبل عامين ولم أستخدمها، أدوات مكتبية لم تلمس منذ اشتريتها، وغير ذلك كثير، لذلك السؤال لدي هل سأفعل شيء بها؟ ومتى؟

“في يوم ما” أو “لاحقاً” إجابة لا تصلح أن استخدمها، إما أن أعرف متى أو أتخلص من الشيء.

قصة سيارتين

1200px-Bugatti_Veyron_16.4_–_Frontansicht_(3),_5._April_2012,_Düsseldorf

لكل قصة شخصية أو أكثر وقصتنا لها شخصيات وأحداث وتفاصيل كثيرة لكن لغرض هذه التدوينة سأكتفي بالقليل منهم، والبداية في 1909 مع تأسيس شركة سيارات فخمة في فرنسا، السيارات في ذلك الوقت كنت منتج رفاهية والأغنياء وحدهم يستطيعون شراءها، ظهرت شركات كثيرة حول العالم تطور وتصنع منتجات لهذا الاختراع الجديد وقد كان عددها بالمئات، التنافس وظروف السوق والحروب قلص هذه الأعداد إلى العشرات وبمرور العقود تقلصت الأعداد أكثر وأكثر، الشركات الكبيرة تبتلع الصغيرة وتضمها إلى قائمة شركات عديدة استحوذت عليها.

بوغاتي شركة فرنسية أسسها إيتور بوغاتي في بدايات القرن العشرين في شمال شرق فرنسا، لكن في ذلك الوقت كانت المنطقة جزء من أمبراطورية ألمانيا، وإيتور ولد في ميلان، هذه خلطة جغرافية ممتعة، إيتور جاء من عائلة فنية  فقد كان والده مصمم أثاث وجواهر وهذا كان أثره واضحاً على سيارات بوغاتي، فقد عرفت بأنها شركة سيارات سباق وسيارات فخمة.

الشركة عاشت حربين عالميتين، وخاضت في مجالات مختلفة، مثل صناعة طيارة سباق، أو صناعة قطار (رابط باللغة الفرنسية)، وكذلك المشاركة في سباقات السيارات، وأثناء كل ذلك كانت تصنع السيارات الفخمة بمحركات كبيرة، الحرب العالمية الثانية دمرت المصنع وفقدت الشركة الأرض، إيتور كان يخطط لسيارات جديدة ومصنع جديد في ضاحية العاصمة الفرنسية، لكن الموت أوقف كل هذه الخطط، مات إيتور بعد الحرب بعامين وتدهورت أوضاع الشركة أكثر حتى أغلقت أبوابها في 1952، بوغاتي صنعت ما يقرب من 8000 سيارة في عمرها القصير.

أي شركة لها شهرة واسم معروف وسمعة جيدة سيكون لعلامتها التجارية قيمة كبيرة وقد كان هذا حال بوغاتي، كانت هناك محاولات عدة لإحياء الشركة لكن هذا النوع من الشركات يبدو لي مختلفاً تماماً عن الشركة الأولى، ما يحدث عند إعادة إحياء علامة تجارية قديمة هو إعطاء الاسم لشركة جديدة تماماً ليس لها أي علاقة بالشركة الأصلية، وفي كثير من الأحيان تكون الشركة الجديدة مجرد واجهة تجارية لا تحمل قيم وتاريخ الشركة الأولى، هي مجرد محاولة للتكسب باستخدام الاسم ولا يهم ما تصنعه الشركة.

في 1987 اشترى رجل أعمال إيطالي علامة بوغاتي التجارية من الحكومة الفرنسية وحاول إحياء الشركة لكنها أفلست في 1995 وبعد ثلاثة أعوام اشترت فولسفاجن العلامة التجارية منه وأعادت إحياء الشركة مرة أخرى لكن هذه المرة الشركة ستبقى وستكون أكثر نجاحاً، سيتطلب هذا كثيراً من العمل وكثيراً من محاولة تطوير أجزاء لسيارة لم يصنع مثلها شيء من قبل.

مدير فولسفاجن في ذلك الوقت كان طموحاً، تحت إدارته توسعت فولسفاجن لتشتري شركات مثل لامبورجيني وبنتلي، أسس شركة بوغاتي الجديدة، ودفع بشركة أودي لتصبح شركة سيارات أكثر فخامة وكذلك فولسفاجن نفسها، طلب من المهندسين صنع سيارة سيكون اسمها فيتون، وهي سيارة فخمة لمنافسة ما تقدمه مرسيدس وبي أم دبليو.

من ناحية أخرى مدير فولسفاجن أراد مشروعاً طموحاً آخر لشركة بوغاتي، أراد سيارة رياضية ذات أداء عالي وفخمة والسعر غير مهم، بعد تصاميم تجريبية مختلفة وسنوات من التطوير خرجت بوغاتي بسيارة فيرون، محرك بسعة 8 لتر وست عشر اسطوانة، أربع شواحن تروبينية (توربو)، ناقل حركة بسبع غيارات وهذا لوحده يكلف 120 ألف دولار لتغييره، الإطارات صممت خصيصاً لهذه السيارة لتتحمل سرعتها القصوى البالغة 407 كيلومتر في الساعة، ولتبريد محرك السيارة وأجزاء أخرى هناك عشر مشتتات للحرارة.

السيارة  عبارة عن إنجاز هندسي لأنها فعلت ما لم يفعله أحد من قبل، وهي سيارة يفترض أن تقاد في الشوارع وليست سيارة سباق، ناقل الحركة مثلاً يجب أن يعيش لسنوات طويلة في حين أن سيارات السباق يمكنها تبديل الناقل في كل سباق، فيرون أداءها في ذلك الوقت كان يفوق أداء سيارات سباق صممت لتسير بأقصى سرعة، فيرون تفعل كل هذا وهي ثابتة وهادئة، هذا أمر يفترض أن يثير إعجابي لكن لا أستطيع الادعاء بأنني معجب بهذه السيارة.

12099325235_414a590017_k

القصة الثانية تبدأ في بريطانيا، تأسست شركة لوتس للسيارات فقي 1952 وأسسها كولن شابمان مهندس ومخترع ومصمم، في بدايات لوتس كانت الشركة تصمم وتصنع سيارات للسباق وقد فازت سيارات لوتس بسباقات وجوائز كثيرة، لكن ما يهمني من قصة لوتس هو صنع سيارة تسمى سفن أو سبعة ببساطة.

سيارة رياضية خفيفة الوزن وبسيطة من الناحية الميكانيكية، وهذا التصميم لا زال حياً إلى اليوم ويمكن شراء سيارة بهذا التصميم، فلسفة كولن شابمان يختصرها في جملة قصيرة:

Simplify, then add lightness.

وبترجمة حرفية: بسط ثم أضف الخفة، سفن كانت سيارة خفيفة وبسيطة، كانت سيارة يمكن قيادتها في الشوارع واستخدامها للمشاركة في السباقات، وهذا ما جعل شركات أخرى تحاكي وتقلد لوتس سفن وتقدم سيارات يمكن للمشترين تركيبها بأنفسهم واستخدام قطع مختلفة للسيارة.

لوتس باعت حقوق سفن لشركة تسمى كاترهام والتي بدورها تصنع سيارات تشبه سفن إلى اليوم وبمواصفات مختلفة، بعضها بسيط وأنيق وليست رياضية جداً مثل 160 وهي سيارة أعترف بأنني أحلم بشرائها، وهناك 620 الرياضية جداً، كاترهام تقدم خيار أن يجمع الزبون سيارته بنفسه، هذا خيار معروف ومشهور منذ عقود وتقدمه شركات كثيرة، مثل إيكيا للأثاث، لكن في هذه الحالة المشتري يجمع سيارة.

الآن قد تسأل: ما العلاقة بين السيارتين؟ والجواب ستجده في برنامج السيارات الشهير توب جير، البرنامج لديه حلبة سباق يختبر فيها السيارات وبعض السيارات تختبر لمعرفة كم من الوقت تحتاج لقطع الحلبة مرة واحدة، بوغاتي فيرون السيارة التي تعتبر إنجازاً هندسياً قطعت الحلبة في دقيقة و18.3 ثانية، واحدة من سيارات كايترهام والتي لا يمكن اعتبارها إنجازاً هندسياً بأي شكل وهي أقل قوة وأرخص بكثير ولا تحوي أي إلكترونيات؛ قطعت الحلبة في دقيقة و17.9 ثانية، أسرع بقليل من فيرون.

سيارة كاتيرهام تعمل بمحرك من أربع اسطوانات وبسعة 2 لتر، لكنها من ناحية الوزن أخف وزناً من فيرون وبفارق طن تقريباً، السرعة تأتي من الخفة والبساطة، هذا ما يعجبني، يمكن لأي غني أن يضع ثروته وقوته ليصنع أقوى وأعلى وأكبر وأفخم وإلى آخر هذه الكلمات، التبسيط ذوق مختلف، التبسيط هو رفض لكل الكلمات السابقة، التبسيط يجد سعادته في تحقيق الكثير بالقليل.

الطمع

سألت في تويتر:

ماذا لو قررت أن تتوقف عن شراء الأشياء (ما عدى الضرورية حقاً منها) وبدلاً من الشراء تستخدم ما لديك من أدوات، كتب، أحذية؟! أو أي شيء آخر

هناك من أجاب بأن هذا سيتسبب بضرر للاقتصاد واجبت بأني لدي مشكلة مع النموذج الاقتصادي العالمي، أرى هذا الاقتصاد أساس مشاكل عديدة في العالم، ليس من مسؤولية الفرد أن يفكر في مصلحة هذا الاقتصاد.

إليك ما أعنيه بالسؤال، نحن نعيش في عالم استهلاكي يقدم للناس أكثر مما يحتاجونه والناس يشترون، هناك الضرورات التي لا غنى عنها كالمسكن والمأكل والملبس وغير ذلك، هناك ما هو مرغوب ومهم، الكتب والحواسيب بأشكالها والأدوات على اختلافها، ثم هناك الترف، أشياء يمكنك أن تعيش بدونها لكن وجودها في حياتك سيزيد حياتك غناً ولن أنكر ذلك.

أين المشكلة إذاً؟ لا شك أن هناك مشكلة ما وإلا لن أسأل هذا السؤال، الطمع هو المشكلة، حب جمع المال يأتي بصور مختلفة، هناك من يحب جمع الأشياء وهناك من يرى قيمة كبيرة في الأشياء فلا يستطيع التخلص منها، وهناك من يشتري الشيء ثم لا يستخدمه بقدر ما ينفق وقته في مقارنته مع أشياء مماثلة، اشترى سيارة وسيقارنها بسيارات أخرى ليتأكد أنه اتخذ القرار الصحيح ولن يجد سعادة بما اشتراه.

الناس صيادون ومستكشفون بالفطرة، نحن نحب البحث عن الجديد والمثير ونجمع الأشياء وبالطبع نتفاوت في فعل ذلك، بعضنا يسافر إلى زوايا الدنيا ليرى ما لم يره أحد في محيطه وبعضنا يكفيه أن يكتشف مقهى جديد في مدينته، سلوك الاستكشاف هذا لن يتوقف لأنه فطرة فينا وسنمارسه أين ما كنا.

بعض الناس يحبون ألعاب الفيديو لأنها تعطيهم حس الاستكشاف هذا، لأن ألعاب الفيديو تقدم لهم عوالم جديدة لم يكتشفها الناس بعد وكل عالم له ذوق خاص، ومن ناحية أخرى مصنعي الهواتف وتطبيقاتها يعرفون جيداً أن حب الاستكشاف والبحث عن الجديد يمكن تحويله إلى إدمان وقد فعلوا ذلك، الإدمان درس ولا زالت جامعات تدرسه وتبحث فيه وبعض من درسه يعلم الشركات كيف تجعل الناس يدمنون منتجاتها الرقمية.

نبحث في الشبكة عن المفيد أو المسلي ونجمع ذلك على أمل أن نشاهده أو نقرأه لاحقاً، سنستفيد لاحقاً، سنستمتع لاحقاً لكن الآن دعنا نستمتع بالاستكشاف والجمع، ثم ماذا؟ متى ستتوقف لترى ما جمعته من أشياء رقمية وغير رقمية؟ لا يختلف هذا عن جمع المال ثم عدم استخدامه في شيء مفيد.

 

لماذا لا أشاهد التلفاز؟

9677091375_a42a842c24_mمضت ما يزيد عن عشر سنوات منذ أن توقفت عن مشاهدة التلفاز، لا أذكر بالضبط متى فعلت ذلك لكن يمكن أن أقول بين 2003 و2005، توقفي عن مشاهدة التلفاز له أسباب مختلفة وأرى الأمر يتكرر بصورة أخرى في الشبكة.

أبدأ بحقيقة أنني لم أكن يوماً مدمناً للتلفاز، وفي ذلك الوقت الشبكة لم تكن كما هي اليوم، لم يكن الاتصال الدائم شيئاً مألوفاً وحتى المحتوى لم يكن كبيراً ومتنوعاً كما هو اليوم، لم تكن هناك شبكات اجتماعية كما نرى اليوم، لذلك التلفاز كان الوسيلة الإعلامية الأساسية لمعظم الناس، وسبق أن كتبت أنتقده مرات عديدة بل وضعت إحصائيات تبين أن ما نستهلكه في العالم العربي من وقت لمشاهدة التلفاز يمكنه أن يبني كذا وكذا من البنايات أو الجسور أو المباني.

التلفاز كان هناك عند تناول الغداء أو العشاء، وكان هناك عندما كنت أجلس مع والدي الذي يتابع الأخبار كل يوم منذ عرفت الدنيا، وكان هناك عندما أشعر بالملل وليس لدي رغبة في فعل شيء آخر، التلفاز لم يكن شراً كله لكن بدأت بعض تفاصيله تزعجني.

الإعلانات تقطع البرامج والأخبار، أشاهد برنامجاً تربوياً ثم يقطع بإعلان رسالته تقف ضد التربية، الأخبار تقرأ المآسي علينا وتعرضها بالصوت والصورة ثم تقطع بإعلان لمنتج استهلاكي يستخدم المرأة كوسيلة لترويج السلعة، الإعلان يعيش في كوكب آخر لا يهتم ولا يكترث بما يحدث في الأخبار وغير ذلك، المعلن لا يهتم بذلك بل اختار هذا الوقت لأن هناك احتمال كبير بوجود عدد مشاهدين كبير.

الإعلانات بدأت تغزوا التلفاز قبل وبعد وأثناء البرامج وجعلت من البرامج الجيدة وجبة رائعة وضعت في خبز عفن، مهما كان الطعام لذيذاً في الشطيرة، لا يوجد عاقل سيأكل الخبز العفن، وفي رمضان تزداد كمية الخبز العفن الذي يعرض في التلفاز حتى يصبح المحتوى الرئيس وتصبح البرامج فواصل بين الإعلانات.

سبب آخر للتوقف عن متابعة الأخبار والتلفاز بشكل عام هو أن الأخبار تجعلني كئيباً، لا يمكنني أن أجلس لتناول الغداء وأرى أخبار المآسي، وما يفيد الناس أنني عرفت بمآسيهم؟ لا يعني ذلك أنني لا اهتم بما يحدث لهم، لكن ما الذي سيغيره إن تابعت الأخبار كل يوم؟ إما أن أتبرع بوقتي أو بمالي وهناك دائماً الدعاء للناس، غير ذلك؟ لم أعد أتكلم عن السياسة وما يحدث في بلدان عديدة لأنه لا فائدة من الكلام، أنا أتابع الأخبار منذ كنت طفلاً ولم يغير هذا شيئاً في العالم.

لفهم ما يحدث في العالم أفضل قراءة الكتب والمقالات من المتخصصين، هذه المصادر تكتب بعمق أكبر وتحليل أفضل وتعطي صورة أدق للعالم من الأخبار اليومية.

ثم هناك الأفلام والمسلسلات، لا أدري ما الذي حدث وما الذي جعلني أتوقف عن مشاهدتها منذ وقت طويل، بطبيعتي أفضل الكوميديا والأفلام الخفيفة، لكن حتى هذه توقفت عن مشاهدتها، ولن أشاهد مسلسلات طويلة كئيبة، هذه ليست تسلية بل عذاب مجاني محشو بالإعلانات.

علي أن أنوه بأنني لم أتوقف 100% عن مشاهدة التلفاز، أحياناً أجلس مع الأهل الذين يشاهدون التلفاز وأتحدث معهم، لا يمكنني تجنب التلفاز في هذه الحالة، وفي فترة كان لدي تلفاز في غرفتي وقناة واحدة فقط أشاهدها وهي NHK World، وهي قناة جيدة تستحق المشاهدة إلى اليوم، لا تقطع البرامج بالإعلانات وبحسب ما أذكر ليس هناك أي إعلانات والبرامج اليومية تتكرر مرات عديدة في اليوم لذلك يمكن مشاهدتها في الوقت المناسب لك.

كذلك أشتري أقراص DVD لأي برامج وثائقية تعجبني ولبعض الأفلام، ما زلت أشاهد أفلام الرسوم المتحركة بين حين وآخر، أما الأفلام الوثائقية فبعضها مفيد كالكتب وبعضها تقدم ما لا يمكن للكتاب تقديمه.

بالطبع الآن أشاهد يوتيوب وأتابع قنوات مختلفة، هناك محتوى كبير في هذا الموقع وكثير منه مفيد ولن أنكر أنني أشاهد مقاطع مسلية وغير مفيدة 🙂

ما الذي استفدته من الانقطاع عن التلفاز؟ في البداية أنا أقل كآبة لأنني لا أشاهد الأخبار ولم أعد حتى أقرأها في الصحف أو في الشبكة، وتبين أن هذا يجعل الناس أكثر سعادة، هذا أعطاني وقتاً للقراءة أكثر والقراءة تجعلني أكثر سعادة، نعم أنا لا أعلم ما الذي يحدث في العالم لكن الأخبار المهمة حقاً ستصلني من مصادر أخرى، من العائلة أو الأصدقاء أو من أي موقع أزوره فالمواقع المتخصصة في التقنية لم تعد تكتفي بالحديث عن التقنية بل عن كل شيء.

الآن أجد نفسي في موقف مماثل مع الويب، أنا بالتأكيد أضيع وقتي والعذر دائماً أنني أفعل ذلك لأكتب لاحقاً عن كل شيء أبحث فيه، لكن في الحقيقة هناك الكثير من الوقت الضائع في محتوى خفيف وغير مفيد، لذلك علي فعل شيء مماثل، علي أن أختار ما أستهلكه من محتوى في الويب لكي أجد وقتاً للكتب مرة أخرى.

التعقيد وانهيار الحضارة

مقابلة مع Chuck Moore، مطور لغة البرمجة فورث (Forth) وأحد رواد الحاسوب والتقنية الذين يستحقون أن تسمع لهم، الرابط قديم يعود لعام 2009 مع ذلك لم أنتبه له حقاً إلا اليوم، سبق أن قرأت اللقاء لكن جزئية من اللقاء أود أن أركز عليها، مور يقول:

“I despair. Technology, and our very civilization, will get more and more complex until it collapses. There is no opposing pressure to limit this growth.”

تذكرت أنني فكرت بشيء مجنون في الماضي، بعد تفكير طويل حول موضوع التبسيط على مستوى الأنظمة وصلت لنتيجة أن التعقيد سيقود بعض المجتمعات والدول بل الحضارات إلى الانهيار، الأنظمة هنا هي أنظمة الاقتصاد والسياسة والقانون، الأشياء التي تحكم حياة الناس كل يوم، هذه الأنظمة تزداد تعقيداً والتقنية لم تساهم في تبسيط الأمور بل زادتها تعقيداً والتقنية نفسها تزداد تعقيداً، ما كان ممكناً لفرد واحد فعله في الماضي أصبح اليوم مشروعاً يتطلب عشرات المبرمجين.

التعقيد لا يعالج بمزيد من التعقيد، إن كانت هناك طبقة تعقيد فالحل لا يكون بإضافة طبقة فوقها لتبسطها بل أن نعالج التعقيد نفسه، سواء في حياتنا أو في دولنا، لكن أنظمة الاقتصاد والسياسة اليوم هدفها النمو الدائم، ولو أن فرداً نمت خلايا جسمه بدون حد لأخبره الأطباء أنه مصاب بالسرطان لكن نمو الشركات وتوسعها دون حد يبارك من كل جهة والناقدون من يسمعهم؟

التبسيط موضوع يفترض أن يناقش على مستوى الأنظمة، التنظيم على مستوى الأفراد أمر مهم لكن الأنظمة التي تؤثر عليهم لا يمكن تجاهلها.

تعليق سريع على الرابط والموضوع أتركه هنا، هذا في العادة ما أكتبه في دفاتر الملاحظات، لذلك أشارك به لعل شخصاً يستفيد.

ضع كل شيء قديم في مجلد، ابدأ من جديد

إليك ما يحدث للكثيرين وأنا منهم، نجمع مصادر في حواسيبنا، قد تكون صوراً، روابط، مقاطع فيديو، ملفات PDF أو غيرها، نجمع كل هذا على أمل أن نقرأها، نسمعها، نشاهدها، نتعلم منها، نتسلى بها .. إلخ، لكن ما يحدث في الغالب أننا نجمع أكثر مما نستهلك فتزداد الأشياء علينا وتزداد حيرتنا، من أين نبدأ؟ هل هذا الرابط مهم أم هذا؟ هذا درس مفيد لكن هذا درس أكثر فائدة لكن هناك درس آخر أحتاجه الآن، ويبقى الفرد منا يدور في دائرة لا تنتهي.

توقف عن الدوران:

  1. انسخ كل ما جمعته وضعه في مجلد جديد سمه ما شئت وضع تاريخ إنشاءه في الاسم، مثال: old-20171008
  2. ابدأ بجمع المصادر كأن المصادر القديمة غير موجودة.
  3. تجنب تكرار نفس الخطأ، لا تجمع أكثر مما يمكنك استهلاكه اليوم، أي شيء لا تستطيع استهلاكه اليوم احذفه.
  4. بعد شهر عد للمجلد القديم، احذفه … أنت في الغالب لا تحتاجه ولا تعرف معظم ما فيه.

كن على يقين أن المصادر لن تنتهي، جمعها لا يفيدك بأي شكل والشبكة متخمة بالمصادر وتتجدد المصادر وأنواعها، لذلك لا بأس إن فاتك شيء منها، بل سيفوتك أكثرها.