من صنع الحاجة؟

المصدر: JD Lasica

بالأمس كنت أفكر في كم الجهود التي تبذل لإقناع الناس لشراء الأشياء، تسويق السلع والإعلان لها أمر قديم وقد درست وسائل الإعلام على اختلافها ودرس تأثيرها على سلوك الناس، وهناك ما يسمى بمجال سلوك المستهلك الذي يدرس لماذا يشتري الناس السلع وفي أي سياق ويدرس كل صغيرة وكبيرة متعلقة بشراء الأشياء وتستخدم هذه الدراسات لدفع الناس لشراء المزيد، ثم جاءت شبكة الإنترنت لتغير الكثير.

اليوم هناك مئات القنوات على يوتيوب لأفراد يمارسون التسويق لسلع الشركات، كم قناة تعرض آخر الهواتف والأجهزة الإلكترونية؟ بعض هذه القنوات وجد ما يزيد عن 10 ملايين مشترك، وهي تتحدث عن هواتف وسماعات وألعاب الفيديو، كذلك الحال مع المواقع على أنواعها، أي سلعة إلكترونية يمكنك أن تجد لها صوراً ومقالات وأخبار وتحليل واختبارات، هناك قنوات على يوتيوب غرضها تدمير هذه الأجهزة لاختبار متانتها.

ثقافة المستهلك (إن صح أن نسميها ثقافة) نجحت في أن تجعل المستهلكين مروجين للسلع ومجاناً، وبفضل يوتويب وغوغل يمكن لمالك القناة أن يصبح غنياً كفاية ويدخل نادي المليونيرات لكن هؤلاء قلة وهم لا شك يصبحون هدفاً يريد الآخرون الوصول له فتتكاثر قنوات يوتيوب التي تروج لنفس المحتوى.

في الماضي وقبل يوتويب والشبكات الاجتماعية كانت هناك مواقع تفعل ذلك لكن كتابة المقالات ونشرها على موقع يتطلب جهداً لا يريد بذله كثير من الناس، بعض المواقع كانت ذات توجه تقني وتكتب بالتفصيل على الأجهزة والواجهات وأعترف أنني كنت أجد متعة في قراءة هذا المحتوى، كانت بعض المواقع تنشر تسريبات لمنتجات جديدة لكن أبل كانت تفاجئ الناس بشيء لم يسربه أحد، الآن التسريبات أصبحت “تسريبات” ووسيلة تسويقية.

أضف لكل هذا أن شركات التقنية وبالأخص أبل حولت الأجهزة التقنية إلى موضة لدرجة أنني رأيت من يسخر من الآخرين لأنهم ما زالوا يستخدمون هاتف العام الماضي، قرأت لمن يبدل الهاتف كل ست أشهر وكل عام، وهذه المنتجات ليست رخيصة فالهواتف تصل أسعارها إلى ألف دولار وأكثر من ذلك.

لاحظ أنني أتحدث فقط عن الإلكترونيات لكن هناك عالم آخر من منتجات المستهلكين لا أعرف عنه شيئاً ويعمل بنفس النمط، منتجات التجميل مثلاً التي تسوق للنساء، هناك قنوات خاصة لذلك، القنوات الموجهة للأطفال أو للآباء والأمهات وتروج لكثير من السلع المنزلية، قنوات الطعام التي تشتري من المطاعم والمحلات وتقيم الأكل، هذه مجرد أمثلة.

لم أتحدث عن المؤثرين ودورهم في الشبكات الاجتماعية لترويج الاستهلاك لشركات صغيرة وكبيرة، هؤلاء يحتاجون لموضوع منفصل، هؤلاء لهم تأثير مختلف لأنهم يعرضون حياة مثالية تجعل البعض يتوق لمحاكاتها.

كل هذه الجهود، كل هذه الأموال تنفق لأجل ماذا؟ الشركات تريد انتباهك ومالك، أصحاب قنوات يوتيوب يريدون انتباهك وهم يعملون للشركات التي يروجون لها حتى لو كانوا يؤمنون بأنهم يقدمون معلومات محايدة وصادقة عن كل منتج، في النهاية هم يسوقون للشركات.

انتباهك له قوة وتأثير، إن أعطيته لهؤلاء فلا تستغرب أن ترى حاجة في نفسك لأشياء لم تكن تحتاجها من قبل، ستشتري الشيء لأن ذلك يسعدك وقد يسعدك وصوله وفتح صندوقه ثم ماذا؟ شخصياً وقعت في هذا الفخ مرات عدة، لا تظن أنني بكتابتي لهذا الموضوع أدعي المثالية وأنني محصن من تأثير كل هذه الجهود، حتى مع علمي بأثرها السلبي أجد نفسي في شباكها مرة بعد مرة، لكن مع تكرار التجارب فهمت أن فكرة امتلاك الشيء تختلف عن حقيقة امتلاكه.

ليست المشكلة أن تشتري فهذه طبيعة في الناس منذ خلقنا، ما الدافع للشراء؟ هذا هو السؤال المهم، وهل أنت تحتاج الشيء أم أن شركة صنعت الحاجة له؟

10 أفكار على ”من صنع الحاجة؟

  1. أتابع أحد الرحالة وهو من النوع الذي لا يروج لوسيلة نقل معينة أو ماركة معينة، ولديه عدة مركبات، هذه المرة قاد هو وصديقه دراجات نارية من النوع الرخيص وخاض بها تجربة بها أمطار وطين وسيول، فعلّقت له أن هذه ضربة كبيرة للدراجات الغالية التي غالباً ما يروج لها أصحاب القنوات اﻷخرى أنها هي الوحيدة التي تصلح لمثل هذه الظروف الصعبة
    ففكرت في أن ما يدّعيه هؤلاء المروجون ليس كله صحيح وبه مبالغة وأنهم متحيزون إلى منتج معين أو منتجات غالية وبعضهم مدعوم من تلك الشركات لذلك فإن محتواهم غير مستقل أو غير محايد

    إعجاب

    • هل من رابط للقناة؟ السلع الفخمة أو العلامات التجارية التي تبيع منتجات غالية تعتمد كثيراً على الصورة التي توحي بها والعلامات القديمة تعتمد على تاريخها الطويل، كذلك من يحب العلامات التجارية يدافعون عنها كما يفعل محبي أندية كرة القدم مع أنديتهم، هناك جزء لا منطقي من الناس تعتمد عليه الشركات لتروج للمنتجات، بالاختبار تنكشف الأمور.

      إعجاب

      • صحيح، يمكن في المقابل أن يدافع بعض الناس على المنتجات رخيصة الثمن، لكن في هذه الحال بدون أن تكون دعاية مدفوعة، بل يكون هدفهم توعية المستهلك
        هذا هو رابط الحلقة التي قصدتها:

        Liked by 1 person

        • الفيديو الذي قصدته هو الجزء الثاني من الرحلة، السابق كان الجزء اﻷول، لاحظ أن هذه الدراجات يمكن أن يكون سعرها عُشر سعر الدراجات المخصصة لمثل هذه المغامرات:

          إعجاب

التعليقات مغلقة.