وثائقي: The Social Dilemma

ابدأ باعتراف بأنني سأشاهد هذا الوثائقي وأنا أعلم جيداً أنني سأكرهه، أو سأوافق على فكرته العامة لكن لدي ألف مشكلة مع التفاصيل، أكتب هذه الكلمات قبل المشاهدة، والآن دعني أرى إن كان ظني صحيحاً أم لا.

قبل المشاهدة علي أن أسأل من هو الجمهور المستهدف من هذا الوثائقي؟ لأن الخبراء لا يحتاجون لوثائقي يخبرهم ما يعرفونه، ومن يهتم ويكتب عن التقنية يعرفون المشاكل التي سيذكرها الوثائقي ولن يجدوا فيه شيئاً جديداً، صناع القرار كذلك يعرفون هذه المشاكل لكن قد يحتاجون لمثل هذا الفيلم لتغيير رأيهم، الفيلم موجه في الأساس لعامة الناس من مستخدمي الشبكات الاجتماعية وقد وصل لهم الفيلم من خلال نيتفليكس، الوثائقي في المركز السادس ضمن قائمة أكثر عشر أفلام شاهدها الناس.

ولأنه على منصة نيتفليكس ولأنني غير مشترك في هذه الخدمة؛ لم يكن هناك خيار آخر غير تنزيل نسخة مقرصنة من الفيلم وقد وجدتها بسهولة، لن أشترك في الخدمة لفيلم واحد وصناع الفيلم لا يوفرون طريقة أخرى لمشاهدته … على أي حال، علي أن أبدأ مشاهدته!

يبدأ الفيلم بعرض أفراد كانوا يعملون في الشبكات الاجتماعية وخرجوا من الشركات، بعضهم اخترع أشياء مهمة لهذه الشبكات مثل الشخص الذي اخترع زر الإعجاب في فايسبوك (Like) أو من طور تقنية التصفح اللانهائي حيث الصفحات أو الشاشات لا حد لها وكلما نزلت لترى نهاية الصفحة أو الشاشة رأيت المزيد من المحتوى الذي لا يتوقف.

هؤلاء المهندسون والمصممون والمبرمجون كانوا يعملون في شركات الشبكات الاجتماعية أو يطورون تقنيات مثل التصفح اللانهائي وهم يقصدون الخير ويظنون أنهم يخدمون الناس لكن تبين لهم بعد سنوات أثر ما فعلوه وكيف استخدمته الشركات لشد انتباه الناس وتحويلهم لمدمني مواقع وتطبيقات، ولأن الهاتف الذكي أصبح جزء مهماً من حياة الناس فقد أصبح كذلك إدماناً يعيش معهم في كل مكان.

بعد إدراكهم للأثر السلبي للشبكات الاجتماعية ولمساهماتهم في هذه الشركات لم يجد هؤلاء حلاً سوى الخروج من الشركات ثم العمل ضدها، بعضهم مؤمن بأن التغيير لن يأتي من داخل هذه الشركات وفايسبوك حتى اليوم تثبت صحة ذلك، الشركات بحاجة لضغوط خارجية لكي تتغير.

قبل خروجهم من الشركات حاول هؤلاء الأفراد تصحيح المشكلة من الداخل، وبعضهم وجد موافقة وحماساً من الموظفين فهم يوافقنهم على أن هناك مشكلة بحاجة لحل، الشركات التقنية توظف عدداً من المصممين الذين سيكون لهم أثر على أكثر من 2  بليون شخص حول العالم، هذه قوة هائلة في يد عدد قليل من المصممين.

الشركات التقنية في الماضي كانت بسيطة من ناحية نموذج التربح، الشركة تصنع منتجاً ما؛ جهاز أو برنامج وتبيعه للمستخدم، هذا لا يختلف عن أي شيء في أي صناعة أخرى، لكن هذا تغير مع انتشار شبكة الويب وظهور شركات تقنية لا تبيع منتجاً أو خدمة بل تبيع المستخدمين، أو بالأحرى بيانات المستخدمين، وهي لا تعطي هذه البيانات لشركات أخرى بل تبيع الشركات حق الوصول بدقة للناس من خلال الإعلان.

هذه الفكرة بدأت لبيع الإعلانات تغيرت لتصبح وسيلة لنشر المعلومات الخطأ والأخبار الكاذبة والإشاعات، وفي حالة فايسبوك استخدمت هذه المعلومات لكي يتجنب البائع عرض خدماته على فئة من الناس، مثلاً شركة عقارات لا تود بيع أو تأجير عقاراتها على الأفارقة الأمريكيين.

آلة جمع المعلومات هذه صممت لكي يدمن عليها المستخدم والشركات التقنية استخدمت حيلاً ودراسات نفسية تستخدم في صنع آلات القمار لكي تجذب الشخص لخدماتها وتبقيه يستخدمها وهكذا تجمع أكبر قدر من المعلومات عنه، معلومات تصل دقتها أحياناً لحد مخيف، الشركة قد تعرف عنك ما لا تعرفه عن نفسك، تعرف أنماط تصرفاتك وما الذي تريده وما الذي تفعله ومتى تريد ذلك.

لكن هذا ليس كل شيء، الشركات تغير تصرفاتك وطريقة تفكيرك بالتدريج وهذا أمر اعترفت فايسبوك أنها تفعله من خلال دراسة داخلية تثبت أن فايسبوك قادرة على تغيير مزاج الفرد من خلال عرض مقالات وأخبار، الشركات التقنية تجري اختبارات عديدة صغيرة على المستخدمين وترى النتائج لتغير ما تفعله وتزيد فعاليته، هم لا يهتمون بالمستخدمين بل بصنع المال من خلال تطوير هذه الآلة عالية الكفاءة التي تعرف كيف تغير سلوكيات الناس دون أن يدرك الناس أنه هناك من يحاول التلاعب بأفكارهم.

هؤلاء المتحدثين الذين صمموا هذه الآلات ويعرفون كيف تعمل وما تأثيرها وجدوا أنفسهم في قبضة هذه الآلات وأدمنوا عليها!

بعد الجزء الأول من الفيلم والذي يأخذ ما يقرب من 35 دقيقة يبدأ الفيلم في عرض مزيد من مشاكل الشبكات الاجتماعية لكن بتركيز أقل ويحتاج لوقت أطول لعرض الأفكار، واحدة من هذه الأفكار أن الشبكات الاجتماعية وغوغل تعرض معلومات مختلفة لكل شخص بحسب المكان وتاريخ تصفحك، وغوغل بالذات قد تعرض عليك نتائج بحث تتوافق مع ما تتوقعه منك، بمعنى لو كنت مثلاً ضد فكرة ما سيعرض عليك غوغل ما يوافق رأيك بدلاً من عرض الحقيقة كما هي.

الفيلم يعرض كذلك نتائج التلاعب بالناس وأن الأمر يتجاوز مجرد عرض إعلانات، لأن الأكاذيب تنتشر بسرعة أكبر من الحقائق في الشبكات الاجتماعية، ولهذا أثر سلبي على بعض المجتمعات، مثال واحد ما حدث لمسلمي ميانمار وتهجيرهم وقتلهم، بالطبع الوضع في ميانمار قديم وليس جديداً لكن فايسبوك بالتحديد ساهم في تفاقمه واستخدمته الحكومة الميانمارية لنشر الأكاذيب وتضليل الناس حول الوضع هناك وفايسبوك لم تفعل شيئاً حتى مع تحذيرات المهتمين بحقوق الإنسان الذين زاروا فايسبوك للحديث معهم حول الوضع.

الشركات التقنية ومن يعمل فيها خلقوا هذه المشكلة، ولن يكون حلها هو صنع مزيد من التقنية، ولن يحلها هؤلاء الذين صنعوا المشكلة.

في النهاية يتحدث الفيلم عن نموذج التربح وكونه مشكلة في حد ذاته، عن عدم وجود قوانين تحد من أنشطة الشركات التقنية، عن صعوبة التغيير لأن المستثمرين والعاملين في الشركة يصعب عليهم إيقاف هذه الشركات، لكن إيقاف التربح من نشاط غير إنساني هو أمر طبيعي وسيقاومه البعض.


هناك عدة ملاحظات أود أن أختم بها بعد مشاهدتي للوثائقي.

الإنترنت والهواتف النقالة تغير المجتمعات، هذا أمر بديهي لكن أشير له لأن مشاكل الشبكة أكبر من الشبكات الاجتماعية، المتطرفون والعنصريون والإرهابيون البيض لم يتأثروا بالشبكات الاجتماعية بل بمنتديات خاصة بعيدة عن الشبكات الاجتماعية، الإرهابي الاسترالي الذي قتل المصلين في مسجد في نيوزيلندا واحد منهم، كذلك الإرهابي النرويجي الذي قتل 77 شخصاً  كان يشارك في أحد هذه المنتديات، هذه مشكلة بحاجة لحل، ولست أقلل من شأن مشاكل الشبكات الاجتماعية لكن علينا ألا نظن بأنه هي المشكلة الوحيدة.

التمثيل الدرامي أفهمه وأمقته، الفيلم موجه لعامة الناس ولكي يؤثر عليهم ويجعلهم يفكرون بما تفعله الشبكات الاجتماعية، لذلك صانعي الفيلم اعتمدوا على ممثلين لعرض أفكار مختلفة وهذه الأجزاء من الوثائقي لم تعجبني وبدأت أتجاوزها، هناك مبالغة فيها.

أحد المتحدثين قال: لا أحد استاء من ظهور الدراجات الهوائية، وهذا غير صحيح ويدل على أن المتحدث لم يدرس التاريخ أو على الأقل يجهل تاريخ الدراجات الهوائية، انتشار الدراجات الهوائية جاء بتغيير اجتماعي معه وأي تغيير مثل هذا سيجعل البعض يستاء، هناك كتب كتبت عن هذا الموضوع.

وسائل الإعلام ظهرت وبعد ذلك ظهرت القوانين، التلفاز والمذياع والصحف كلها ظهرت قبل القوانين التي تحدد وتنظم عملية النشر من خلال هذه الوسائل، الشبكات الاجتماعية لا يحدها القانون وقد بدأ صناع القرار مؤخراً في وضع قوانين تحد من أنشطة الشبكات الاجتماعية، صناع القرار بحاجة للتحرك بسرعة أكبر لأن الشبكات الاجتماعية استبدلت التلفاز والمذياع والصحف، ما كان يعرض للأطفال من برامج جيدة في التلفاز استبدلت بيوتيوب وقنوات أطفال لا يراقبها أحد.

الفيلم لم يكن سيئاً كما توقعته، من صنعه يعرف تماماً الجمهور المستهدف وما الرسالة التي يريد من الجمهور فهمها، أنصح بمشاهدته حتى لو كنت تعلم وتفهم كل ما يقوله الفيلم.

9 أفكار على ”وثائقي: The Social Dilemma

    • أهمية الوثائقي تكمن في أن من ينتقد الشبكات الاجتماعية في الفيلم كانوا يعملون في تطويرها، وبعضهم يعترف بأنه أدمن على ما صممه وصنعه بنفسه، هذه نقطة مهمة، شاهده في أقرب وقت.

      إعجاب

  1. أشكرك على هذا الملخص المفيد, لم أكن انوي مشاهدته لأني من الفئة التي قلت عنها “لخبراء لا يحتاجون لوثائقي يخبرهم ما يعرفونه، ومن يهتم ويكتب عن التقنية يعرفون المشاكل التي سيذكرها الوثائقي ولن يجدوا فيه شيئاً جديداً”, وكذلك لأنه من “نتفليكس” الشبكة التي أدعو لمقاطعتها حتى قبل حركة المقاطعة الأخيرة لما فيها من شرور وافساد.

    ولكن ملخصك أفادني بتأكيد أني فعلاً لا أحتاج لمشاهدة الفيلم, فلن يضيف لي جديداً وبذلك وفرت علي وقتاً طويلاً في تنزيل ومشاهدة الفيلم.

    يبقى فقط أن نأمل أن يؤثر الفيلم في “عامة الناس” بحيث تظهر حركة حقيقة تساعد في تحجيم قدرات هذه الشركات.

    خالص الشكر لك

    إعجاب

    • التأثير الفعلي سيكون من صناع القرار في دول عدة، التأثير على أفراد لا يكفي وفي الغالب لن يغير شيئاً ما دام أن الملايين حول العالم يستخدمون هذه الخدمات، صناع القرار بحاجة لوضع قوانين تحد من أنشطة هذه الشركات، هناك قوانين تنظم وسائل الإعلام على اختلافها إلا الشبكات الاجتماعية.

      إعجاب

  2. شاهدت نصف الفيلم خلال عطة نهاية الأسبوع وأنوي إكماله اليلة بإذن الله، بالنسبة لي وجدته فيلم مشوق ويكشف الكثير من الحقائق التي نعيشها حاليا بسبب تعلقنا بوسائل التواصل الاجتماعي لدرجة الإدمان، صحيح أن مشكلة الاإدمان للسوشال ميديا ليست بالشيئ الجديد لكن بعض الحقائق التي ذكرت صادمة جدا لم أكن أتوقع بمدى الخبث الذي تتمتع به تلك الشركات في سبيل أن تزيد من وقت تواجدك في التطبيق أو أن تخصص فريق من الخبراء لدراسة سلوكيات المستخدمين وجمع المعلوما الشخصية بكل هذه الدقة..
    حسنا.. كما ذكرت لم أكمل الفليم بعد.. لكنني منذ فترة وأنا أفك جديا في التقليل من استخدامي للهاتف والسوشال ميديا بشكل خاص وهذا الفيلم سرع من هذه الخطوة التي أد أنها ضرورية جدا بعد أن وجدت أن الوقت بدأ يتفلت مني بشكل غريب وهو ما أثر على انتاجيتي وعلاقتي بمن حولي..

    إعجاب

    • هم يوظفون حيل وأفكار أخذت من مصممي أجهزة وألعاب وصالات القمار، وكذلك دراسات علمية حول الإدمان، هذا يجب أن يخيف الناس ويجعلهم يفكرون في استخدام التطبيقات.

      بخصوص الهاتف، رأيت العديد من الناس يتحدثون عن حذف تطبيقات الشبكات الاجتماعية من الهواتف وهذا كان له أثر إيجابي.

      إعجاب

  3. شخصيا توقفت عن استخدام فيسبوك من سنوات، وهي المنصة التي أكرهها كثيرًا، لكني أبقيت على حسابي لوجود ثلاثة حسابات مصرية تهمني، ومع الأسف تمنيت لو استغنوا عن فيسبوك، بدأت أكره انستغرام لأن مارك يملكه أولا وثانيًا بسبب موجة التسطيح للمحتوى التي انفجرت لأجل جمع المتابعين والمطبلين والشعور بوهم التأثير والاستفادة المادية الرخيصة من وراءها، وجعل الناس تستغني عن الكتابة وتفضيل قراءة فقرات مسروقة مقتضبة واعتبارها تعليما عميقًا! تيك توك شعرت بإدماني عليه مؤخرًا، وجدتني أمضيت الساعتين أنتقل من فيديو إلى آخر لم أنتبه للوقت، وحذفته هذا الصباح.

    بقي تويتر المنصة التي أظنني أستطيع نوعًا ما التحكم بما أشاهده فيها وبنوع المحتوى الذي يصلني.

    المشكلة أن الذين أود متابعتهم وابقاء تواصلي بهم، موزعون على منصات مختلفة وهذا يجعل الأمر عسيرًا جدًا، ومن ناحية أخرى أعمل في شركة للتسويق حيث استغلال هذه الشبكات لتسويق منتج أو خدمة أو حملة هو عملنا الأساسي، والمخيف في عالمنا اتجاه الكثير من وكلات التسويق إلى ما بات يعرف بـ “تغيير السلوك” والتركيز عليه يزداد أكثر وأكثر وأينما تولي وجهك يقال لك هدف هذا المشروع هو تغيير سلوك الناس لتفعل كذا وكذا!

    إعجاب

    • مشكلة توزع الناس على منصات مختلفة هي مشكلة صعبة والشبكات الاجتماعية تفهم ذلك، هذا ما يسمى بتأثير الشبكة، كلما ازداد عدد المستخدمين زادت جاذبية المنتج أو الشبكة للآخرين، والعمل في مجال يتطلب استخدام هذه الشبكات يعني أنه لا مفر من المشاركة فيها، إن كان بالإمكان الفصل بين وقت العمل والوقت الشخصي ففعل، وقتك الشخصي يمكن أن يكون بعيداً عن هذه الشبكات.

      أما التسويق وتغيير السلوك فهذا هو التسويق منذ بدأ، الجديد هو استطاعة وصول أفراد قلة لجمهور كبير حقاً وغالباً دون أي رقابة مسبقة أو قوانين تنظيمية، إن كان الهدف دفع الناس للشراء فهذا ما يفعله التسويق منذ بدأ، المشكلة في أن يكون التسويق لأغراض سيئة.

      إعجاب

  4. شاهد القليل منه وتوقفت، وجدت أنه لا يقدم شيئا جديدا لي لهذا لم أرد تضييع وقتي أكثر، لكنه وثائقي متعوب عليه وجميل وأنصح به خاصة للمدمنين على وسائل التواصل، سيؤثر عليهم ولو قليلا.

    إعجاب

التعليقات مغلقة.