في تنظيف لوحة مفاتيح

كانت الأفكار تجري في عقلي ولا تترك لي فرصة للتركيز على واحدة منها، اقرأ، شاهد، اكتب، تخيل .. تخيل .. تخيل، أنت جائع، هل هذا وقت الشاي؟ ماذا ستكتب غداً؟ فن من البلاستك لا أدري هل هو جميل أم لا، أغلق الصفحة … عد لها … أغلقها .. شارك بالرابط .. لا تفعل، الغرفة بحاجة لتنظيف من الغبار فقط، هناك ملاحظات كثيرة تنتظر أن أنقلها، لوحة المفاتيح تحتاج لتنظيف!

أمسكت بالفكرة الأخيرة كأنني أمسك بحبل نجاة، نعم لوحة المفاتيح تحتاج لتنظيف، هذه ليست لوحة مفاتيح رخيصة، علي العناية بها لأنني أريد لها أن تعيش عشر سنوات على الأقل، حسناً كل ما علي فعله الآن هو تشغيل يوتيوب لأشاهد مقاطع مختلفة، نزعت سلك لوحة المفاتيح وبحثت عن أداة صغيرة أتت مع اللوحة تساعدني على نزع مفاتيحها، قطعة بسيطة من البلاستك وفي طرفها سلكان معدنيان تحيط بهما الزر ثم تجره إلى الأعلى كأنك تقلع الزر من جذوره، لا داعي للقلق، لوحات المفاتيح الميكانيكية صممت لكي تستطيع نزع واستبدال الأزرار بسهولة.

بدأت الأفكار في عقلي تهدأ قليلاً، بدأت أشعر بما كنت أشعر به في الماضي عندما أنظف، ما يمارسه الناس من التأمل هو ما أشعر به عند التنظيف، أركز على التنظيف وأنسى كل شيء حولي، كالصانع الماهر تجده يعمل على صنعته لساعات ولا يشعر بالوقت، لست صانعاً لأي شيء لكنني أتقن التنظيف على الأقل وقد كنت في الماضي أكثر حرصاً على التنظيف والتنظيم لدرجة أنني شعرت بأن علي تقليص الوقت الذي أقضيه في التنظيف.

بدأت بنزع الأزرار واحداً تلو الآخر وبدأت أكشف العالم تحت المفاتيح، المنظر تعيس حقيقة لكنني توقعته، الغبار لا شك سيجتمع تحت المفاتيح وعادتي بالأكل قريباً من اللوحة لم يساعد الموقف بأي شكل، لكن على الأقل لست كبعض الناس ممن رأيت لوحات مفاتيحهم وقد كانت مثيرة للاشمئزاز، ما لدي لا يقارن بما رأيته.

فكرة ظهرت بعد الهدوء، كم أنا محظوظ بأنني في مساء السبت أقضي وقتي أشاهد مقاطع في يوتيوب وأنظف لوحة مفاتيح، في العالم الآن أناس يهربون خوفاً على حياتهم، بعضهم بلا مهرب ولا منقذ أو مهتم، أشعر بالذنب أنني هنا في أمان وسلام ونعمة وخير وهناك أناس يعانون، لو كانت الدنيا لعبة فيديو لكان من السهل حل كل المشاكل، لكنها الدنيا أم المتناقضات، مهما تعلمت التعايش مع حقيقة التناقض يبقى له أثر، نعم أنا محظوظ ولله الحمد والفضل.

أتيت بفرشاة أسنان جديدة وبدأت أمررها بين المفاتيح لإزالة الغبار والأوساخ التي بعضها لم يتحرك بسهولة، إن كنت تهتم بتنظيف الأشياء بدقة فاشتري مجموعة فرش أسنان مخصصة لهذا الغرض، ستجد فائدتها في الوصول لأماكن صعبة، تمنيت لو أن لدي آلة تنظيف صغيرة مخصصة لهذا العمل، هناك آلة تشفط الغبار والأوساخ من الأماكن الصغيرة ويمكن لحاسوبك أن يزودها بالطاقة من خلال منفذ يو أس بي.

بعد ما تأكد أنني وصلت بفرشاة الأسنان لكل زاوية من لوحة المفاتيح أخرجت منديلاً للتنظيف، تجدها في السوق ولا أحب استخدامها خصوصاً تلك التي تدعي أنها تقتل 99% من الجراثيم، هذه أثرها سلبي على المدى البعيد، أنت تريد تنظيف الأشياء لا أن تعد بيئة مناسبة لبكتيريا مقاومة لمنتجات التنظيف، للأسف كان هذا خياري الوحيد.

الخيار الثاني أن أشتري أعواد تنظيف الأذن لأنها مناسبة لتنظيف الأماكن الصغيرة، ضعها في محلول تنظيف وامسح بها الأماكن التي يصعب الوصول لها، للأسف لم يكن لدي شيء منها أثناء تنظيف لوحة المفاتيح وإلا لاستخدمتها مع محلول تنظيف طبيعي لا يقتل كل البكتيريا، هناك منتجات طبيعية ظهرت في السوق وأشجع على شرائها.

إن كان الكون يتوجه دائماً نحو الفوضى فهل هناك فائدة من التنظيف والتنظيم ومحاولة إبقاء الأشياء تعمل أو تبقى؟ الإهرامات بقيت لآلاف السنين لكن مصيرها في النهاية أن تعود للأرض ولو بعد ملايين السنين، هذا إن بقيت الدنيا لملايين السنين، لكننا كبشر لا يهمنا أن نفكر في الملايين من السنين، نحن نعيش الآن وهنا، هذه بيئتنا وهذه حياتنا، التنظيف والتنظيم مطلوبان لحياة صحية.

وضعت الأزرار كلها في وعاء وبدأت أصب عليها الماء الدافئ، لماذا دافئ؟ لا أدري! هو أمر أختاره دون وعي مني، لظني أن الماء الدافئ أكثر نظافة من البارد، حركت الأزرار قليلاً في الماء ثم وضعت قليلاً من محلول تنظيف طبيعي، حركتها أكثر ثم تركتها في الوعاء وعدت لتنظيف لوحة المفاتيح حتى أصبحت تبدو كالجديدة، بل لو رآها شخص الآن لظن أنها لوحة مفاتيح جديدة.

أخرجت الأزرار من الوعاء وبدأت بنشرها على منديل ورقي كبير لتجفيفها، وبدأت عملية تجفيفها بدقة لأن الماء لن يخرج أو يجف بسهولة من زوايا المفاتيح، أفعل ذلك وأشاهد يوتيوب وأفكر لماذا أعتني بالأشياء أكثر مما أعتني بنفسي؟ الإنسان منا بحاجة للعناية كذلك، هذا غرض الاستحمام والنظافة الشخصية وكذلك غرض الرياضة كذلك، وعقل الإنسان ونفسه بحاجة للعناية كذلك، لكن من السهل العناية بالأشياء لأننا نستطيع أن نرى الفرق بين حالة قبل وحالة بعد، قبل التنظيف كانت لوحة المفاتيح قذرة، بعد التنظيف تبدو كالجديدة، لكن العناية بأنفسنا؟ عندما تمارس الرياضة فلن تنمو عضلاتك فوراً ولن تتخلص من وزنك بعد ساعة، أتمنى لو أن أجسامنا تعمل بهذا الشكل لكان من السهل التخلص من الوزن الزائد.

بدأت أضع الأزرار في أماكنها، بعضها بدأت حروفها تتلاشى من الاستخدام، هي حروف مطبوعة ومن الطبيعي أن تختفي بمرور الوقت، لو أردت حروفاً ثابتة فالخيارات الأخرى أغلى لكن أكثر ثباتاً، مثل حفر الحروف بأشعة الليزر أو طباعة الحرف داخل البلاستك نفسه بأسلوب صناعي يكلف أكثر لكنه يعطيك زراً ستبقى حروفه إلى الأبد تقريباً، إلا إن قررت حرق الزر!

لحماية لوحة المفاتيح من الأوساخ هناك أغطية بلاستيكية يمكن استخدامها لحمايتها من الغبار عند عدم استخدامها، وهناك أغطية مرنة يمكن استخدامها عندما تأكل أمام لوحة المفاتيح ودعنا نكن صرحاء هنا، من الصعب عدم تناول الطعام أمام الحاسوب عندما يكون الحاسوب جهاز كل شيء، فبالتالي غطاء يحمي لوحة المفاتيح سيوفر عليك بعض عناء التنظيف لاحقاً.

نعم لدي لوحة مفاتيح جديدة الآن أو هكذا تبدو، الأفكار لم تعد تجري في عقلي كما يجري الأطفال في حديقة ملاهي، ما زلت جائعاً وما زالت هناك أمور كثيرة علي التفكير فيها وإنجازها، لكنها توقفت كلها عن الصراخ في عقلي طلباً للانتباه، ربما علي فعل ذلك أكثر، ربما علي تنظيف شيء ما عندما أواجه هجوم الأفكار من كل صوب.

6 أفكار على ”في تنظيف لوحة مفاتيح

  1. تدوينة مختلفة بعض الشيء 🙂
    “ما يمارسه الناس من التأمل هو ما أشعر به عند التنظيف، أركز على التنظيف ” هذا شعوري كذلك 😉

    بالمناسبة: استيقظت صباحا لأجد بعض أزرار لوحة مفاتيح اللابتوب قد اصابها العطب، هل تعلم سبب ذلك؟

    إعجاب

  2. نفس الحالة عشتها اليوم وانا استمع لمقطع ASMR صوت أسترخاء مع وضع السماعات في كل الاذنين واتخاذ جلسه مريحه , كان مدة المقطع ساعه كاملة والى الان لست مستوعبه كيف اكملت هذه المده رغم انه لم يدور في ذهني سوا افكار قليله وتأملات بسيطه , الامر كان شبيه بالنوم حلم قصير في 8 ساعات ولا تعلم كيف مر الوقت بهذه السرعه , لكن هذا الفعل جعلني ارتب كل المناوشات والضغوطات في عقلي رغم اني لم افكر بها , بمجرد ان انتهت الساعه شعرت براحه ونشاط لانجاز كل ما علي فعله ” رغم اني قصدت بهذه الجلسه ان اتهرب من اعمالي” ’ هذا يثبت نظريتي بان القيلوله منتصف اليوم واخذ قسط راحه مرات عديده خلال اليوم يقودك الى انجاز اكثر .

    إعجاب

    • الفرد منا يحتاج بين حين وآخر إلى التوقف، القيلوله أسلوب مناسب، كذلك أن يجلس الفرد لوحده في مقهى أو يمشي، ضوضاء الإعلام والهواتف والناس لا تترك للفرد فرصة أن يعطي عقله فترة راحة ليرتب أفكاره، التهرب من العمل هو نتيجة التشوش واختلاط الأصوات في العقل، عندما تهدأ الأصوات يمكن للفرد أن يركز ويعمل … لذلك نعم، أوافقك، خذ قسط من الراحة يومياً.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s