ما بعد تويتر

white-bellied-swallowكتبت عن فكرة الطريق الأسهل قبل سنوات في مدونتي السابقة، الفكرة ببساطة أن الناس سيختارون الأسهل من الخيارات حتى وإن كان هذا الخيار الأسهل طويلاً، وكان علي أن أدرك بأن الناس يختارون الأسهل حتى لو كان لذلك عواقب سلبية في المستقبل، أيهما أسهل: كتابت “تويتات” سريعة قصيرة وبدون تفكير كبير أو كتابة تدوينة واحدة طويلة؟

بالطبع التدوين أصعب من تويتر، التدوين يجعلني أشعر شخصياً بمسؤولية أكبر تجاه ما أكتب، علي أن أفكر أكثر وأكتب بدقة أكبر لأن المساحة المتوفرة هنا كبيرة ويمكن أن تمتد لأكثر من عشرة آلاف كلمة، قارن هذا بتويتر المحدود بمئة وأربعين حرفاً، هذا الحد هو عذر البعض لعدم وضع مصادر لما ينقلونه من محتويات، لأن نقل صورة أو مقطع فيديو والتعليق عليه أكثر أهمية من المصدر بالنسبة لهم.

طبيعة تويتر تجعله مكاناً مناسباً للكثير من الضجة، أعلم جيداً أن هناك أفراد يستفيدون من تويتر وأنا شخصياً كنت أستفيد منه، لكن لدي يقين أن تويتر وأي خدمة مماثلة قد يكون لها أثر سلبي على المجتمع، أو ربما هو الفرق بين المتخصص وغير المتخصص، أعني أن الفرد المهتم بالفائدة ويريد أن يتابع أناس من تخصصات محددة سيجد الفائدة في ذلك، في حين أن من انضم إلى تويتر ليكون فرداً ضمن جماعة كبيرة تناقش كل شيء بما في ذلك الدين والسياسة والأخبار فهذا الفرد سيرى ويعرف الجانب السلبي من تويتر ومن الناس عموماً، الأزمات السياسية تجعلني على يقين أن تويتر مكان ضرره أكبر من نفعه.

توتير يجعل من السهل أن تكتب وتتواصل مع الآخرين وهذه السهولة مع تقليص حجم الرسالة يجعل تويتر وسيلة نشر ضحلة، هناك تنوع كبير لكن العمق مفقود، تويتر ليس مكان للحديث بالتفصيل وبعمق عن أي شيء وإن كتبت عشرين تويتة ضمن سلسلة لتشرح شيئاً ما فما الذي يمنعك من أن تكتب ذلك في تدوينة واحدة؟ في الغالب سيكون السبب أن الناس لا يقرأون المدونات كما يقرأون تويتر، الناس يختارون السهل على الصعب، ومن السهل التهام رسائل تويتر القصيرة والسريعة بينما وجبة التدوين الكبيرة تحتاج لوقت أكبر، حتى لو كان هذا الوقت دقائق قليلة فهو وقت كبير مقارنة بسرعة تويتر التي تعد بالثواني.

هذا سبب رئيسي للتوقف عن استخدام تويتر حالياً، أشعر بأنه يشجع السطحية والمحتوى الضحل، يشجع السرعة وردة الفعل أكثر مما يشجع التفكير والتأمل، ولاحظ مرة أخرى أنني لا أنكر أن هناك جانب إيجابي في تويتر، لكن هذا لا ينفي كذلك وجود جانب سلبي أيضاً، والجانب السلبي في تويتر هو طبيعته، شيء لا يمكن أن يتغير ما لم يتغير تويتر نفسه ليصبح مكاناً يسمح بنشر محتوى أكبر في الحجم وهذا في الغالب لن يحدث.

منذ افتتحت هذه المدونة كتبت فقط ثلاث مواضيع بما فيها هذا المقال القصير، بالمقارنة لو كنت في تويتر سأكتب عشرة “تويتات” في اليوم أو ربما أكثر من ذلك، سأنشر روابط مختلفة لأنني كبقية البشر أبحث عن ردة الفعل وتفاعل الآخرين معي ولن أنكر ذلك، ردة الفعل تجعلني سعيداً وتحثني على فعل المزيد لكي أتلقى المزيد من ردة الفعل، مزيداً من الردود ومن الإعجاب وإعادة التغريد، هذا أمر غير صحي، ومرة أخرى هذه طبيعة تويتر والشبكات الاجتماعية عموماً، فهي تعتمد كثيراً على التفاعل، على ردات الفعل السريعة والصغيرة.

بينما في المدونة علي أن أفكر بعمق أكبر، وحقيقة أجد نفسي غير مهتم بردة الفعل، لأنني أتوقع أن أكثر الناس يجدون صعوبة في كتابة تعليق ولا بأس بذلك، المهم القراءة.

باختصار: عدت للتدوين وعدت للتفكير بعمق أكبر قبل كتابة شيء، عندما يقدم تويتر وسيلة سهلة وسريعة للنشر فهذا يعني محتويات أكبر لكن ضحلة وسريعة، كالطعام السريع، شهية لكن غير صحية، وتويتر قد يكون شهياً لعقلك ونفسك لكن هل هو صحي لهما؟ أترك الإجابة لك، شخصياً وجدت جوابي بتركه.

7 أفكار على ”ما بعد تويتر

  1. ربما تتأخر المرحلة التالثة سنوات ، ولكن من يستطيع تقديم الحل في الوقت المناسب ( ليس قبل أو بعد ) سيجني مليارات الدولارات . سناب شات وتويتر والاستقرام عجيبة جداً في استمالة الناس في حلول لم يكن يمكن القبول بها قبيل سنوات . ومع هذا صمد اليوتيوب مقابل هذه الموجات ، خفت دور المدونات والمنتديات ، وأرتفع دور المواقع الأخبارية لمدة . في الجانب العربي هناك تخريب متعمد لتلك الواسائل خاصة في تويتر للتشويش والترهيب بطريقة تصل إلى مستوى غير أخلاقي .

    Liked by 1 person

    • فكر بطبيعة هذه التقنيات وتأثيرها على الناس والمجتمعات، لا يهمني من ينتصر أو يخسر أو من سيسطر ومن سيربح، كل هذا أتركه للمتخصصين في التحليل الاقتصادي والمالي، ما يهمني هو تأثير هذه التقنيات علينا، هل هو إيجابي أم سلبي؟ هل تفيدنا وكيف ومتى تفعل ذلك؟ كيف تغير علاقاتنا ببعضنا البعض؟

      بعض التقنيات ستبقى، التدوين والمنتديات ستبقى حتى لو تراجع دورها، هذه تقنيات ليست مرتبطة بشركات محددة، وفي الحقيقة لا أظن أن دورها تراجع بل هي الآن مألوفة ومملة.

      إعجاب

  2. على ذكر تويتر، هل تعرف ماستودون Mastodon؟ هو شبيه بتويتر لكن يسمح بكتابة 500 محرف character و واجهة الاستخدام شبيهة بواجهة TweetDeck. الأهم من كل هذا أن الخدمة غير مركزية و برمجيته مفتوحة المصدر.

    إعجاب

  3. أشعر ان شكبات التواصل الاجتماعي هضمت حقوق المدونين بعض الشيء ، ولازلت في حيرة من أمري .. فقد كنت أدون ادون سابقاً و كلما رغبت بالعودة للتدوين اتردد لقلة تفاعل القراء .. ما الحل برأيك ؟

    إعجاب

    • الشبكات لن تكون بديلاً عن التدوين فهي مصممة للتفاعل السريع والسطحي والمستمر، التدوين أبطأ وأكثر عمقاً، وسيلة مختلفة للنشر، التفاعل مع التدوين قل كثيراً حتى مع المدونات الكبيرة وهذا أمر لاحظته حول العالم.

      يبقى التدوين مكان أنسب للتعبير عن النفس بحرية أكبر، لذلك عودي إلى التدوين، واستخدمي الشبكات لنشر ما تكتبين، هذا ما أفعله شخصياً.

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s